رائحة الطين



الكاتبة لاڤينيا عيسىٰ 


تستيقظ الغرفة على رائحة الطين المحروق

 الستائر السوداء لا تحجب ضوء الشمس

 بل تبتلعه

وتتقيؤه كغبار رصاصي يستقر فوق الأثاث الميت

 في الزاوية

كانت الساعة الهادئة تقرعُ أجراسها إلى الوراء

وكلما سقط عقرب الثواني

تفتحت زهرة ليلكية بلا عطر من شقوق الجدار.

​كان وجه النور يرتدي قناعاً من الذهب المكسور

نورٌ لا يضيء

بل يعمِي ببرودته؛

نورٌ ينبعث من عظام جافة مدفونة تحت البلاط

كيفَ 

يمشي الظلام على أرجل من زجاج مثقوب

يجر خلفه أثراً من الصمت الملطخ بحبر الموتى.

​في المنتصف

وُضِع النعش.

 لَمْ يَگُنْ

 من خشب

بل كان قطعة ضوء مُجمد

مظلمة كقاع البحر الأخير

وحوله

جلست الأطياف ترتدي ثياباً من دخان مبلل بالدموع القديمة

 لا أحد يبكي بصوت

بل كانت الدموع تسقط صامتة لتتحول إلى عقارب بلا سم

​إقتربْ الشبيه من المرآة المكسورة لَمْ يَگُنْ

 هناك إنعكاس

بل فجوة تؤدي إلى غرفة أخرىٰ حيث السماء تبكي صخوراً والرمال تتنفس

قال الظلام بصوت يشبه إحتكاك العظام بالمخمل

هُنا

 وُلِدنا مرتين.. المرة الأولى حين مات الحظ

والمرة الثانية حينَ نسينا أسماءنا.

يا للمأساةِ...تلگ 

​إمتدت الأيدي الباردة من السقف لتلمس الحافة الفاصلة بين الحياة وبينَ ما لا إسم له. كانت الأكف تمسك بقمم الغيوم المطفأة، وتفركها بينَ الأصابع لتتطاير كرماد ذكريات لم تحدث قط. رائحة البخور الميت تملأ الرئة، والأنفاس تتصاعد بخاراً أزرق يتلاشى قبل أن يلمس السقف.

​تناثرت المراسلات القديمة على الأرض، وكلما قرأ أحدهم سطراً إنطفأت نجمة في الأفق. تقول الورقة الأولى: "من يطفئ النور في عين الميت؟". وتقول الثانية: "الظل هو الجسد الحقيقي، وما نحن إلا دخانه العابر"

​تتسع الغرفة وتضيق في آنٍ واحد. الجدران تقترب لتضمنا كقبر رحيم، ثم تتباعد لتتركنا في عراء الأبدية المظلمة. لا مفر من النور الظلامي الذي يغسل الأرواح بالقطران الشفاف. تتوقف الساعات جميعاً في هذه اللحظة بالذات، ويبقىٰ فقط صوت صدىٰ خطواتٍ تمشي على سقف الروح، ولا تصل أبداً إلىٰ النهاية.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology