بقلم الكاتبة الصحفية/ سهام فودة
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية تساعد الإنسان، بل أصبح طرفًا حاضرًا في كل بيت، يشارك الأبناء التعلم والترفيه، ويؤثر في طريقة تفكيرهم وسلوكهم، حتى بات ينافس الأسرة في أحد أهم أدوارها وهو التربية. والخطر لا يكمن في التكنولوجيا نفسها، وإنما في أن تتحول إلى البديل الصامت للأب والأم.
اليوم يحصل الطفل على إجاباته من تطبيق ذكي قبل أن يسأل والديه، ويقضي ساعات طويلة أمام شاشة تعرف اهتماماته وتقترح عليه ما يشاهده وما يقرأه. ومع مرور الوقت، تبدأ الخوارزميات في تشكيل شخصيته وميوله وقناعاته، بينما يتراجع الحوار الأسري الذي كان يومًا حجر الأساس في بناء الوعي.
ولا يتوقف التأثير عند الأبناء، فالعلاقات الأسرية نفسها أصبحت أكثر هشاشة. يجلس الجميع في مكان واحد، لكن كل فرد يعيش داخل عالمه الرقمي الخاص، فتقل الأحاديث، وتضعف المشاركة، ويحل الصمت محل الدفء الذي كانت تصنعه الجلسات العائلية.
المشكلة الأكبر أن بعض الآباء أصبحوا يعتمدون على الذكاء الاصطناعي في تعليم الأبناء أو تهدئتهم أو حتى الإجابة عن أسئلتهم، متناسين أن التربية ليست معلومات تُنقل، بل قيم تُغرس، وقدوة تُعاش، ومواقف يومية تصنع الشخصية. فالآلة تستطيع أن تشرح درسًا، لكنها لا تستطيع أن تعلم الرحمة، أو تمنح الطفل شعورًا بالأمان والانتماء.
وفي المقابل، لا ينبغي النظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره عدوًا للأسرة، فهو أداة يمكن أن تفتح آفاقًا واسعة للتعلم والإبداع إذا استُخدمت بوعي. المطلوب ليس منع الأبناء من التكنولوجيا، وإنما تعليمهم استخدامها، مع الحفاظ على الحوار الأسري، والوقت المشترك، والرقابة الواعية التي تبني الثقة ولا تفرض الوصاية.
إن معركة المستقبل لن تكون بين الإنسان والآلة، بل بين الأسرة الحاضرة والأسرة الغائبة. فالطفل الذي يجد داخل بيته حبًا واهتمامًا وحوارًا، لن تبحث روحه عن بديل داخل شاشة، أما إذا غاب هذا الدور، فستملأ الخوارزميات الفراغ، ليس لأنها أذكى من الوالدين، بل لأنها كانت الأقرب إلى الأبناء.
سيظل الذكاء الاصطناعي يتطور عامًا بعد آخر، لكن تبقى الحقيقة التي لا تتغير أن أقوى تقنية في العالم لن تعوض حضنًا دافئًا، ولا كلمة صادقة، ولا أسرة تعرف أن التربية تبدأ بالقرب من الأبناء قبل أن تبدأ من الأجهزة.
