مرّينا بيكم حمد… رحلة قطار الليل




بقلم هيا برماوي 

تُعدّ قصة قصيدة «للريل وحمد» الشهيرة من أكثر الحكايات تداولًا في تاريخ الشعر العراقي..وبحسب الرواية المتداولة، تعود أحداثها إلى عام 1956، حين استوحى الشاعر العراقي الكبير مظفر النواب قصيدته من لقاءٍ جمعه بامرأة داخل قطار الليل المتجه جنوبًا في العراق.


أحب هذه الأغنية كثيرًا، ولطالما رافقتني في لحظاتٍ كثيرة. وفي كل مرة كنت أستمع إليها، كان يراودني السؤال نفسه: هل هي فعلًا قصة حقيقية؟ ظللت أبحث عن أصلها طويلًا، إلى أن قرأت يومًا تلك الرواية التي ظلّت تتناقلها الأجيال..


تروي الرواية أن مظفر النواب كان مسافرًا في أحد قطارات الليل، فجلست أمامه امرأة جميلة الملامح، أنهكها التعب، وكانت عيناها تجافيان النوم ، لفتت انتباهه ملامح الحزن التي ارتسمت على وجهها، فبادرها بالحديث، لتروي له قصة حبها..


عاشت المرأة قصة حب مع ابن عمها، الذي كان يُدعى حمد، حتى شاع خبر حبهما بين أهل المنطقة..لكن العادات والتقاليد الصارمة آنذاك لم تكن ترحم المحبين؛ فبعد أن أصبح أمرهما على كل لسان، مُنعت من الزواج به، وافترق الطريقان رغم صدق المشاعر.


اضطرت المرأة إلى الرحيل نحو بغداد، لتبدأ حياة جديدة لم تخترها، لكنها لم تستطع أن تترك الماضي خلفها ، وكلما استقلت قطار الجنوب، مرّ بها القطار بالقرب من مضيف حبيبها، فتعود إليها الذكريات محمّلة بالحنين والفقد، وكأن الزمن لم يمضِ يومًا.


وهناك، وبين هدير القطار وصمت الليل، تجلّت أمام مظفر النواب الصور الشعرية، فحوّل تلك الحكاية إلى واحدة من أجمل القصائد الشعبية العراقية، فجاءت قصيدة «للريل وحمد»، التي كُتبت بين عامي 1956 و1958، قبل أن يغنيها لاحقًا الفنان الكبير ياس خضر، الملقب بـ «صوت الأرض»، بعنوان «مرّينا بيكم حمد»، لتصبح أيقونة خالدة في الوجدان العراقي والعربي..


القصيدة مع شرح بعض مفرداتها


مرّينا بيكم حمد، واحنه بقطار الليل

واسمعنه دقّ قهوة وشمّينه ريحة هيل


الريل: القطار..


يا ريل… صيح ابقهر صيحة عشق.


أي: يا قطار، أطلق صرخة عشقٍ ممزوجة بالقهر.


هودر هواهم ولك، حدر السنابل كطه.


أي: ضاع حبهما وانتهى، كما تُحصد السنابل.


يا ريل… طلعوا دغش.


يا ريل ، طلعوا دَغَش ..( جومو صافي )

والعشق جذابي ( عشق كاذب )


دق بيّه كل العمر، ما يطفه عطابي.


أي: امضِ بي يا قطار طوال العمر، فهذه النار التي في القلب لا تنطفئ.


تتوالف ويه الدرب… وترابك ترابي.


أي: ألفتُ الطريق، وأصبح ترابه جزءًا من روحي.


آنه أريد ألوك الحمد… ما لوكن لغيره.


أي: لا أرى نفسي إلا مع حمد، ولا يليق بي سواه.


يجفّلني برد الصبح… وتلجلج الليرة.


يجفّلني: يهزّني ويوقظني.

تلجلج: تلمع.


يا ريل… بأول صغرته لعبته طفيرة.


أي: منذ طفولتهما كانا يلعبان معًا.


وهودر هواهم ولك…


لتعود العبارة من جديد، مؤكدة أن الحب انتهى كما تنتهي السنابل عند الحصاد، لكن أثره بقي حيًا في القلب..


رحل القطار، وانطفأت أضواء الليل، لكن الحكاية لم ترحل ، بقيت تتردد على ألسنة الناس، وتغنّى بها العشاق، حتى أصبحت جزءًا من الذاكرة العراقية..راح القطار… وضلّ حمد عِبرة، وبقي الحب الذي لم يكتمل قصيدةً لا يطويها الزمن..

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology