كيف نكتشف موهبة الطفل؟

 


 محجوب الكريشي أستاذ تنشيط ثقافي و باحث في العلوم الثقافية تونس

الطفل هو الإنسان الذي يمر بمرحلة الطفولة، وهي المرحلة الممتدة منذ الولادة إلى بلوغ سن الرشد، وتتميز بالنمو الجسدي والعقلي والنفسي والاجتماعي المتدرج. وتُعد هذه المرحلة من أهم مراحل حياة الإنسان، لأنها تُبنى فيها شخصيته، وتُكتسب فيها القيم والمعارف والمهارات الأساسية التي تؤثر في مستقبله.

كيف نكتشف موهبة الطفل؟

يُعدّ اكتشاف موهبة الطفل من أهم المسؤوليات التي تقع على عاتق الأسرة والمدرسة والمؤسسات الثقافية، لأن كل طفل يولد وهو يحمل في داخله قدرات وإمكانات قد تتحول إلى إبداع وتميز إذا وجدت من يكتشفها ويرعاها. فالطفل لا يولد وهو يعرف موهبته، بل يكتشفها تدريجيًا من خلال التجربة، واللعب، والتعلم، والتفاعل مع محيطه. لذلك فإن الاهتمام المبكر بميول الطفل واهتماماته يمثل الخطوة الأولى نحو بناء شخصية واثقة وقادرة على العطاء.

ولا تقتصر الموهبة على التفوق الدراسي فحسب، بل قد تظهر في الرسم، أو الموسيقى، أو المسرح، أو الرياضة، أو الكتابة، أو الخطابة، أو العلوم، أو الابتكار، أو حتى في مهارات التواصل والقيادة. ومن الخطأ أن نقيس جميع الأطفال بمعيار واحد، لأن لكل طفل شخصيته الخاصة، وقدرته الفريدة، ووتيرة نموه المختلفة. فهناك من يبدع بالكلمة، وهناك من يعبر عن نفسه باللون، وآخر يجد ذاته في الحركة أو في التفكير العلمي، وجميع هذه المواهب تستحق الاهتمام والتقدير.

ويبدأ اكتشاف الموهبة من خلال الملاحظة اليومية للطفل، إذ يستطيع الوالدان والمعلمون أن يلاحظوا الأنشطة التي يميل إليها، والألعاب التي يفضلها، والأعمال التي يقضي فيها وقتًا طويلًا دون أن يشعر بالملل. كما أن كثرة الأسئلة، وسرعة التعلم في مجال معين، والرغبة في التجربة والاستكشاف، كلها مؤشرات قد تدل على وجود موهبة تحتاج إلى التوجيه والرعاية. ومن المهم أيضًا أن نتيح للطفل فرصة خوض تجارب متنوعة، لأن الموهبة قد لا تظهر إلا عندما يجد الطفل المجال الذي يناسب ميوله وقدراته.

وتؤدي الأسرة دورًا أساسيًا في هذه العملية، فهي البيئة الأولى التي ينمو فيها الطفل ويتشكل فيها وعيه وثقته بنفسه. وعندما يجد الطفل التشجيع والدعم، ويشعر بأن محاولاته موضع تقدير حتى وإن لم تكن كاملة، فإنه يصبح أكثر جرأة على الإبداع والتجريب. أما المقارنة بينه وبين غيره، أو السخرية من أعماله، أو فرض اختيارات لا يحبها، فقد تؤدي إلى إخفاء موهبته أو فقدانه الثقة في قدراته.

كما تتحمل المدرسة والمؤسسات الثقافية مسؤولية كبيرة في اكتشاف المواهب وتنميتها، من خلال توفير الأنشطة الفنية والثقافية والرياضية والعلمية، وتنظيم المسابقات والورشات والنوادي التي تمنح الأطفال فرصة للتعبير عن أنفسهم. فهذه الفضاءات لا تكتفي بالكشف عن المواهب، بل تساعد أيضًا على صقلها وتطويرها، وتمنح الطفل الإحساس بالإنجاز والانتماء، وتشجعه على مواصلة التعلم والإبداع.

ولا شك أن الموهبة تحتاج إلى الصبر والاستمرارية، فهي لا تنمو بين عشية وضحاها، بل تتطلب التدريب والمتابعة والتشجيع. لذلك ينبغي أن نركز على تنمية قدرات الطفل بدلًا من الضغط عليه لتحقيق نتائج سريعة، وأن نمنحه الحرية في الاختيار، مع توفير الوسائل التي تساعده على تطوير مهاراته، مثل الكتب، والورشات، والأنشطة الثقافية، والبرامج التعليمية الهادفة.

وفي الختام، فإن اكتشاف موهبة الطفل هو استثمار في مستقبل الفرد والمجتمع، لأن الأطفال الموهوبين اليوم هم علماء وفنانون ومبدعون وقادة الغد. وكلما أحسنا الإصغاء إلى الأطفال، وراقبنا اهتماماتهم، وشجعنا أحلامهم، وفتحنا أمامهم أبواب المعرفة والإبداع، أسهمنا في بناء جيل واثق بنفسه، قادر على الابتكار، ومؤمن بأن لكل إنسان موهبة تستحق أن ترى النور. ويبقى الطفل كالبذرة الطيبة، إذا وجدت من يعتني بها، نمت وأثمرت خيرًا وإبداعًا لوطنها ومجتمعها.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology