الكاتب بلعربي خالد
في أزقة القصبة، كان الأطفال يركضون خلفه كل مساء، يقذفونه بالحجارة الصغيرة، ويصفقون وهم يهتفون:
"ديدي بارشو... ديدي بارشو..."
فيضج الزقاق بالضحكات، بينما يواصل الرجل سيره مترنحًا، ممسكًا بزجاجة فارغة، مرتديًا معطفًا مهترئًا تفوح منه رائحة الخمر والغبار.
لم يكن أحد يأسف له.
كانت النساء يغلقن الأبواب إذا مر، ويشد الآباء أبناءهم بعيدًا عنه، أما الجنود الفرنسيون فكانوا يضحكون كلما رأوه، ويقولون:
"دَعوه... إنه مجرد سكير يبحث عن كأس أخرى."
لم يكن أحد يعلم أن ذلك "السكير" كان أخطر رجل يسير في شوارع المدينة.
لم يكن اسمه الحقيقي ديدي بارشو.
ذلك اللقب أطلقه عليه أطفال الحي، لأنهم كانوا يرونه دائمًا ثملًا، ولأن ملابسه البالية كانت مأخوذة من أكوام الثياب التي تُلقى قرب المطاحن والجوار، فأصبحوا ينادونه "بارشو"، أي الرجل الرثّ الذي يعيش على الملابس القديمة.
لكن الثمالة كانت قناعًا.
والتشرد كان سلاحًا.
والرجل الذي بدا منسيًا من الجميع، كان تحفظه ذاكرة الثورة باسم آخر... اسم لا يعرفه إلا قادة الخلايا السرية.
كان يتجول بحرية بين الحانات التي يرتادها الضباط الفرنسيون، ويجلس في زوايا الملاهي الليلية، ويطرق أبواب البيوت التي لا يدخلها إلا المستعمرون والمتعاونون معهم.
كان يملأ كأسه، ويضحك معهم، ويغني بلغتهم، حتى ظنوه واحدًا منهم، أو رجلًا فقد عقله ولم يعد يميز بين وطن وعدو.
كانوا يتحدثون أمامه بلا حذر.
يتباهون بحملاتهم العسكرية.
ويذكرون أسماء القرى التي سيهاجمونها.
ويتناقشون حول مواعيد الدوريات، ومسارات القوافل، وأماكن المداهمات المقبلة.
وكان ديدي بارشو يهز رأسه كأنه لا يفهم شيئًا.
لكن ذاكرته كانت أدق من دفاتر الضباط.
وقبل أن يطلع الفجر، كان يختفي من المدينة.
يسلك ممرات لا يعرفها إلا أبناء الأرض، حتى يصل إلى أحد رجال الثورة.
يجلس في صمت، ثم يروي كل ما سمعه، كلمةً كلمة، دون أن ينسى اسمًا أو رقمًا أو ساعة.
كم من كمين نجا منه المجاهدون بفضله.
وكم من قرية أفلتت من الحصار لأن "السكير" سبق الجنود إليها بخبره.
مرت سنوات، ولم يعرف سكان الحي حقيقته.
ظل الأطفال يرشقونه بالحجارة.
وظلت النساء يتهامسن بأنه عالة على المجتمع.
وظل الجنود يربتون على كتفه ساخرين، ويشترون له كأسًا جديدة، غير مدركين أنهم يشترون هزيمتهم بأيديهم.
ولم يكن ديدي بارشو يغضب.
كان يبتسم في صمت.
كان يعلم أن الوطن يحتاج أحيانًا إلى رجال يضحون حتى بسمعتهم.
فليس كل الأبطال يحملون البنادق.
بعضهم يحمل زجاجة فارغة، ومعطفًا ممزقًا، ويمشي بين الناس مطأطئ الرأس... حتى يأتي اليوم الذي ترتفع فيه راية الحرية.
وحين بزغ فجر الاستقلال، خرج أهل الحي يهتفون للجزائر.
ورأوا شيخًا نحيلًا يقف بعيدًا، يبتسم والدموع في عينيه.
لم يعرفه أحد.
أما هو، فقد عرف أن المسرحية الكبرى انتهت، وأن الدور الذي أداه في صمت طوال سنوات كان قد بلغ نهايته.
كان بطلًا لم يصفق له أحد، لأن أعظم الأبطال هم أولئك الذين يبقى تاريخهم مجهولًا، بينما تعيش أوطانهم حرة.
