.
بقلم: أسيد الحوتري
تمثل رواية "حين يعمى القلب" للروائية الفلسطينية وداد البرغوثي شهادة سردية على مرحلة فلسطينية شديدة التعقيد، حيث تتداخل الذاكرة الفردية بالذاكرة الجمعية، ويتجاور الاحتلال مع التحولات الاجتماعية والسياسية والفكرية التي أصابت المجتمع الفلسطيني. لا تقدم الرواية حكاية بالمعنى التقليدي، بقدر ما تقدم محاولة لفهم ما جرى حين تبدلت المواقف الوطنية، وتغيرت القناعات، واختلطت الحدود بين المقاومة والتطبيع قبل أن تنتهي التسوية وعملية السلام، حتى أصبح السؤال المركزي الذي يحكم النص: كيف يمكن للقلب أن يعمى بينما تبقى العيون مفتوحة وشاهدة على ما كانت تحذر منه؟
تقدم الرواية نفسها بوصفها شهادة. فالساردة، حياة المحمود، تعلن منذ الصفحات الأولى أنها تعيش في عصر أصاب الناس فيه "عمى البصيرة". عالم امتلأ بالجرائم والفساد والانحراف عن الفكر الثوري، وبأشكال جديدة من التطبيع الثقافي والسياسي. لذلك تكتب، لا بوصفها روائية متخيلة فحسب، بل شاهدة تخشى ضياع الذاكرة. الكتابة هنا فعل مقاومة للنسيان؛ فحياة تدرك أن ذاكرتها أصبحت مهددة بسبب اعتداء تعرضت له من قبل جنود الاحتلال وبحكم تقدم السن، وأن عليها أن تسجل ما عاشته وما شهدته قبل أن "تعطب الذاكرة". ولهذا تبدو الرواية أقرب إلى أرشيف شخصي وجماعي يوثق تحولات الفلسطينيين عبر عقود.
تنهض الذاكرة أيضا من خلال المكان، وبخاصة قرية كوبر التي تحضر في النص بوصفها الوطن الأول. تتذكر الساردة تفاصيل الحياة القديمة: لعب الأطفال، السهرات فوق الأسطح، بساطة العلاقات، وتماسك المجتمع. في مقابل ذلك يظهر الوطن المتخيل الذي صنعته الغربة؛ وطن الراحة المادية الذي مثّلته مدن الخليج ثم الحلم بالسفر إلى كندا. ومن خلال شخصية يزيد اليوسف يتجسد هذا الصراع بين وطن الذاكرة ووطن الدينار والدولار، بين الأرض التي تمنح الهوية والأماكن التي تمنح الذهب والفضة. وحين يردد يزيد أن "كندا الوطن وراحة البدن"، تصاب حياة بالدهشة: هل يمكن تبديل الوطن؟ وهل يصبح الوطن مجرد مكان يوفر الراحة؟ وهكذا تطرح الرواية أحد أكثر أسئلتها إلحاحا: ما معنى الوطن بالنسبة لجيل عاش الاحتلال والمنفى معا؟
ويبدو هذا السؤال أكثر إيلاما حين تستعيد الساردة زمن الانتفاضة الأولى، ذلك الزمن الذي يتكرر في الرواية بوصفه لحظة صفاء أخلاقي وجماعي. تتذكر مواجهة جنود الاحتلال عندما رفضت إزالة الشعارات الوطنية عن جدار منزلها، وكيف تعرضت للضرب وكسر الجمجمة والنزيف. كما تستعيد المظاهرات والبيانات والكتابة على الجدران والعمل التطوعي. في تلك المرحلة كان العدو واضحا، وكانت الأولويات محددة، وكانت التضحية جزءا من الحياة اليومية. لذلك يبدو الحنين إلى الانتفاضة الأولى في الرواية ليس حنينا إلى الألم، بل إلى وضوح البوصلة الوطنية.
لكن الرواية لا تتوقف عند الاحتلال المباشر، بل تنشغل بما تعتبره شكلا جديدا من أشكال الاختراق الداخلي: ظاهرة المنظمات غير الحكومية. وهذا المحور يمثل العمود الفقري للنص كله. فحياة ترى أن الخطاب الجديد الذي اجتاح المجتمع الفلسطيني بعد اتفاقيات التسوية نقل مركز الاهتمام من الاحتلال إلى قضايا منفصلة عن سياقها السياسي؛ المرأة بمعزل عن الاحتلال، والطفل بمعزل عن الأسر والشهادة، وحقوق الإنسان بمعزل عن الاستعمار الاستيطاني. وبذلك يصبح ما يوصف بـ"نزع السياق" و"نزع التسييس" عملية ممنهجة لتحويل الانتباه عن القضية المركزية.
من هنا تتصاعد شكوك الساردة تجاه التمويل الأجنبي وشروطه غير المعلنة. فالمانح، في نظرها، يرسم حدود العمل ويحدد سقف الخطاب، حتى وإن بدا داعماً لقضايا إنسانية نبيلة. وتصل الرواية إلى ذروة نقدها عندما تتحدث عن التحول التدريجي: يبدأ الأمر بتمويل سخي ومجالات واسعة من الحرية، ثم تتبدل الشروط تدريجيا حتى يصبح المدير أو الموظف أسيرا لمصدر التمويل، عاجزا عن الخروج من الدائرة التي رسمها الممول. وتبرز وثيقة "نبذ الإرهاب" عام 2004 بوصفها اللحظة التي كشفت كثيرا من الحقائق المؤجلة.
وتكتسب هذه الرؤية قوتها لأن الرواية لا تطرحها عبر التنظير المجرد، بل من خلال مصائر شخصيات كانت ذات يوم جزءا من العمل الوطني. يزيد وغاردينيا وحازم كانوا ناشطين يساريين يوزعون كتبا ترفض التطبيع وتنتقد الفساد مثل "يحدث في مصر الآن" للروائي المصري سعد القعيد، ثم أصبحوا يديرون مؤسسات أهلية ومشروعات تتحدث عن الديمقراطية والجندر والحوار بين الثقافات في معزل عن الاحتلال وممارساته. لا تدين الرواية الأشخاص بقدر ما ترصد التحول نفسه: كيف ينتقل المناضل من خطاب المقاومة إلى الخطاب "الإنساني" المجرد؟ وكيف يعيد الإنسان تبرير خياراته الجديدة حتى تبدو طبيعية ومقبولة؟
وإلى جانب هذه التحولات السياسية، تمنح الرواية مساحة واسعة لمعاناة النساء المسنات، وبخاصة أم يزيد وأم حياة. فهاتان الشخصيتان تمثلان جيلا كاملا من النساء اللواتي عشن الطاعة والخضوع والتضحية والصمت. أم يزيد التي انتقلت من سلطة الأب إلى سلطة الزوج ثم الأبناء، تنتهي وحيدة مهمشة داخل بيتها وقد عقها أولادها، قبل أن تسقط في الحمام دون أن يسمعها أحد. أما أم حياة فقد عاشت اليتم المبكر والحرمان والفقر، وحملت عبء الأسرة منذ طفولتها. ومن خلال هاتين الشخصيتين تفضح الرواية هشاشة الروابط الأسرية الحديثة، وتقارن بين شعارات البر والإحسان التي يقودها العاملون تحت لواء منظمات المجتمع المدني وبين واقع الإهمال حتى لأقرب الناس.
ثم تعود الرواية إلى الاحتلال بوصفه الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها. فالانتفاضة الثانية، والحواجز العسكرية، والإذلال اليومي، ومخيم جنين، والشهداء والأسرى، كلها تحضر بقوة لتذكير القارئ بأن الاستعمار ما زال قائما. وتكتسب شهادات جنين أهمية خاصة لأنها تقدم الوجه العاري للعنف الإسرائيلي في مواجهة محاولات تجميل الصورة عبر مشاريع الحوار والتطبيع. فالاحتلال، في نظر حياة، ليس مجرد "حاجز بين ثقافتين"، بل هو الحاجز الأكبر الذي لا يمكن القفز فوقه بخطابات التعايش المجردة.
ومن الناحية الفنية، لا تلتزم الرواية شكلا سرديا واحدا، بل تعتمد تقنية التهجين. فهي تجمع بين السرد الروائي والحوار والمقال الصحفي ورسالة الاستقالة والتقرير والشهادة التوثيقية. وقد يبدو هذا التعدد خروجا عن البناء الروائي التقليدي، لكنه ينسجم مع طبيعة النص بوصفه شهادة تسعى إلى توثيق مرحلة أكثر من سعيها إلى بناء حبكة محكمة. فحياة ليست راويا محايدا؛ إنها صحفية وباحثة وناشطة وشاهدة، ولذلك تتعدد أدواتها التعبيرية تبعا لتعدد الأدوار التي تؤديها.
في النهاية، "حين يعمى القلب" رواية عن العمى الأخلاقي لا عن العمى البصري. فالعمى الحقيقي، كما تقترح وداد البرغوثي، يبدأ حين يفقد الإنسان قدرته على التمييز بين الجوهري والهامشي، وبين الاحتلال وقضاياه الفرعية، وبين المبدأ والمصلحة، وبين الوطن بوصفه ذاكرة وهوية، والوطن بوصفه مكانا للراحة ومصدرا للرزق فقط. إنها رواية تنطلق من الخوف على الحقيقة، ومن الخشية من أن يتحول الاستثناء إلى قاعدة، وأن يصبح ما كان مستحيلا ومرفوضا أمرا عاديا ومبررا؛ "فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور".
يذكر أن الدكتورة وداد البرغوثي ولدت في عام 1958 في قرية كوبر شمال رام الله. درست الإعلام في روسيا، وحصلت على درجة الدكتوراه في الصحافة والإعلام من جامعة الكوبان عام 2006، حيث ناقشت أطروحتها حول "الصحافة النسائية في فلسطين". تعمل أستاذة في قسم الإعلام بجامعة بيرزيت منذ أوائل الألفية، وتجمع بين التدريس والكتابة الإبداعية. أصدرت أكثر من عشرين عملا أدبيا وبحثيا، من أبرزها روايات "حارة البيادر" التي فازت بجائزة وزارة الثقافة، "حين يعمى القلب"، "ذاكرة لا تخون"، إلى جانب أعمال شعرية وقصصية وكتب أكاديمية مثل "التحقيق الصحفي من الألف إلى الياء". هي أسيرة محررة، تعرضت للاعتقال أكثر من مرة. في عام 1980 اعتقلت أثناء زيارة أهلها ومُنعت من السفر، وفي سبتمبر 2019 اقتحم الاحتلال منزلها واعتقلها بتهمة التحريض عبر وسائل التواصل، ثم أُفرج عنها بعد 16 يوما بشرط الإقامة الجبرية ودفع كفالة مالية. كما تعرض منزلها لهدم جزئي، وتعاني أسرتها من الاعتقالات المتكررة. تُعد الدكتورة وداد البرغوثي نموذجاً للمثقفة الفلسطينية التي تجمع بين العمل الأكاديمي والشهادة الإبداعية في مواجهة الاحتلال والنسيان.


