سليم النجار.
تُعدُّ اهتمامات نرين طلعت بالتاريخ من السمات البارزة في مشروعها السردي لروايتها المكوَّنة من ثلاثة أجزاء، وقد أدت الكاتبة الشركسية دورًا أساسيًا كوسيط ثقافي أسهم في تعميق صلتها بالتراث الشركسي.
لفتت نرين طلعت هذه العلاقة في روايتها، الجزء الأول، التي كشفت، من خلال الحوارات والذكريات، ما يُعدُّ مرجعًا مهمًّا لفهم طبيعة التفاعل الثقافي بينهما.
لم تكن الروائية نرين مجرد ناقلةٍ للمعارف الشركسية، بل كانت محفزًا إبداعيًّا أعاد تشكيل وعي نرين باللغة والمقدس لهذا التراث. عبر حواراتها العميقة وقراءاتها الموجَّهة، تحولت النصوص الشركسية من مجرد مراجع إلى أدوات تأويلية في يد الساردة، دون أن تتحوَّل إلى إطار أيديولوجي مغلق.
رواية «شيركسيا»، الصادرة عن دار فضاءات للنشر والتوزيع، عمّان، ط1، 2025، جعلت من الديناميكية نموذجًا للوساطة الثقافية التي تحفظ للكاتبة حريتها الإبداعية، بينما تفتح آفاقًا معرفية غير مسبوقة: «الإمام حاتوقه إدريس موجِّهًا استفسارًا للجميع: ما قصتكم مع الخسوف؟ هل جئتم للصلاة اليوم جميعًا، على غير عادتكم، خوفًا من الخسوف أم حبًّا بالله؟؟؟» (ص26).
كتبت نرين عن ثقافة الشركس كمرآةٍ لأسئلتها الوجودية، التي مثَّلت مفارقة صارخة تتعدد فيها القراءات، عن سؤال العلاقة بين الرواية والتاريخ، والموقف السياسي القابل للنقاشات المعاصرة: «جميعًا أبناؤنا، شياينا الأديغيون الذين حاربوا على الطرفين وهم يعتقدون أنهم على الصواب. فهل تستطيع أن تقول لي إنَّ الله مع مَن منهم؟» (ص30).
تظهر نصوص نرين انحيازًا صريحًا، كما تُحوِّل الصراع إلى معركة مقدسة، عن طريق الرمز، «سور الله» مثلًا، وهو توظيف كتمويه أيديولوجي، يُخفي الواقع خلف رمزية دينية.
تُفهم الأيديولوجيا باعتبارها سردًا للمكان، الذي يبحث عن الجمال الاجتماعي للأفراد وتعاطيهم مع المكان كأفراد: «في سلسلة الغرف في أول البيت بين البيوت الثلاثة، لها نافذتان؛ إحداهما تطل على الحديقة المزروعة بالورود والأشجار المثمرة، والثانية تطل على باحة الدار وعلى البوابة الكبيرة.» (ص42).
يندرج المكان عند الكاتبة طلعت كمدخل للصراع القادم، والبوابة رمزًا بوصفه «كالأسد في شمس الظهيرة». وترى نرين أن مثل هذه اللغة تموِّه طبيعة العلاقات الاجتماعية عبر رموز سياسية تأخذ طابعًا كونيًّا على صراعات مادية: «لأن هؤلاء الشيوعيين، بدولتهم الجديدة، هم ورثة القياصرة، والقياصرة كانوا محتلين لبلادنا، مستعمرين لها استعمارًا لصيقًا قاسيًا.» (ص69).
ترى نرين الروائية أن روايتها تعكس رغبة عميقة في رؤية الجوهر للشركس يزدهر، وهو ما يتماشى مع ما تقوله نرين: **«ألم نحْيَ هكذا منذ آلاف السنين؟ قبل أن يعرف العالم البرلمانات، كانت لنا خاسة، أليس هذا صحيحًا؟
يعلِّق المجتمعون: نعم، نعم، هذا صحيح. فلطالما حكم الأديغة أنفسهم بأنفسهم عن طريق الخاسة. نعم، هذا صحيح.»** (ص106).
تعتمد رواية «شيركيسيا: قصة حبٍّ وصلوات الغائب» على بنية سردية توظف الرمز التراثي، كـ**«النور»** و**«الشعب المعذب»**، لإضفاء طابع تراثي على كيان سياسي معاصر، وينتج هذا التوظيف جماليةً رمزية تُعيد تمثيل الصراع ضمن ثنائية استعمارية (النور/الظلام)، تُحوِّل الواقع إلى تجلياتٍ وجودية تتجاوز البعد التاريخي للصراع: «وهو يمضي باحثًا عن الشرف والكرامة لينصر الأديغة الشركس في مكان…» (ص160).
في هذا السياق، تتحوَّل الجماليات إلى خطاب يُشَرعن الهيمنة باسم المجازر. ووفق الخطاب الاستعماري، الذي يناقش ويُعيد بناءَ بنى تخدم هدفه لإخفاء منطق السيطرة، وفي ظل هذه الرؤى، يرى ميشيل فوكو أن الخطاب لا يعبِّر عن السلطة فقط، بل يُنتجها من داخل البنى الرمزية التي تتظاهر بالحياد: «والشركس، حين قهرهم الروس وأبادوهم وشرَّدوهم، خاطبوا الله وسألوه: نسألك ألا تبارك للروس في أرضنا.» (ص179).
أمَّا نرين طلعت، فتظهر في تحليلها للاستعمار أن الخطاب يُستخدم لترسيخ مواقف منحازة تحت غطاءٍ معرفي أو جمالي، من خلال البنى الذهنية للمتلقي.
انطلاقًا من ذلك، تُقرأ الفقرة التالية بوصفها تمثيلًا أخلاقيًّا: «قانون السلوك الشركسي النبيل، وجعلوا فيه نظام التبني الأديغي. فبفضل نظام التبني الشركسي تم إنقاذ الآلاف من أطفال الشركس، وتم تجنيبهم مصيرًا مريعًا.» (ص189).
ضمن هذا الشد والجذب بين القديم والجديد للتراث الشركسي، الذي تأسس على مأساتهم التي كتبتها الروائية نرين طلعت، إذ بدا تمييز المقاربتين، التقليدية والحديثة، مدفوعًا بحاجة منهجية أملتها التطورات التي حصلت مع الشركس، ورصدتها الروائية طلعت، التي سعى خطابها الروائي إلى الكشف عن أن المقاربة التقليدية قادرة على استيعاب التحولات الجارية في مخاطبة العقل الحداثي.
كما أن المثالية لم تُطرح في السرد، بل لجأت الكاتبة إلى الواقعية التي تضعنا أمام الارتهان لواقع إنساني. لعل التحدي الأبرز للكاتبة: كيف تتجاوز هذا الواقع الأليم، بعيدًا عن البكائيات؟ «جاروقه أزمات: حقُّ ماذا الذي يتبعه الإنكليز، أيها الأديغي!!! فهل سعى الشركس للاستقلال، ليس حقًّا؟؟؟؟ هل سعي الشركس للاستقلال باطل؟ أليس حقهم أن يطالبوا بحريتهم؟» (ص215).
صحيح أننا نقف على ميراث هائل بخصوص التراث الشركسي، سواء في بلاد المشرق أو في بلاد الروس، لكن السؤال المطروح هو: كيفية النظر إلى هذا التراث؟ البعض يرى أنه تراث أصبح من الماضي، وبالتالي اندثر، كالكثير من الثقافات، مثل الهنود الحمر، على سبيل المثال. وهذه الهجرة من الماضي إلى المستقبل هي هجرة وجودية نحو الآخر وثقافته: «إذن لا بدَّ وأنه أرسل لنا نحن الأديغة الشركس رسولًا ونبيًّا أيضًا. هل الله لا يعرف اللغة الأديغية الشركسية أو اللغة الألمانية؟» (ص236).
تشكل رواية «شيركيسيا: قصة حبٍّ وصلوات الغائب» «إجابةً متخيلة»، على حد تعبير بول ريكور، على العنف التاريخي.
وعملت الكاتبة على مذكرات بديلة ضمن سرد لا يراجع فقط سرديات المؤرخين (التي يمكن اعتبارها إعادة بناء ذاتية لوقائع مثبتة)، بل يعيد أيضًا تشكيل التاريخ الشركسي، مع التركيز على تجربة الشتات الشركسي ضمن تاريخ مشترك مع البلدان التي عاشوا فيها، بعيدًا عن وطنهم الأم
