حرب الرصيف

 



الكاتب بلعربي خالد


لم تبدأ الحرب يوم سقط أول ذباب، بل يوم قرر أول ذباب أن الرصيف ليس مجرد رصيف، بل حدود مقدسة لا يجوز أن تطأها أرجل الآخرين.


منذ ذلك اليوم، صار نصف الشارع يُسمّى حيّ المنزل، ونصفه الآخر حيّ اللحم. لا أحد يتذكر من رسم الخط، لكن الجميع مستعد للموت دفاعًا عنه.


وفي كل صباح، كانت الذبابات تطير فوق الخط ثم تعود سريعًا، ليس خوفًا من العدو... بل خوفًا من أن يراها أحد وهي تفكر في السلام.


كان حيّ المنزل يعيش على بقايا المطابخ، ويصف نفسه بأنه معقل الحضارة والنظافة، مع أن رائحة سلة القمامة كانت تُعرّف الزائر إلى الحي قبل أن يراه.


أما حيّ اللحم، فكان يعيش قرب المسلخ، ويرى نفسه وريث المجد القديم. وكان ذبابه يردد بفخر:

"الرائحة القوية دليل السيادة."

كان كل حي يسخر من الآخر.

ذباب المنزل يقول:

"هؤلاء لا يعرفون سوى الجيف."

ويرد ذباب اللحم:

"أما أنتم فتعيشون على فتات البشر."

ولم يكن أحد ينتبه إلى أن البشر أنفسهم ينظرون إليهم جميعًا بالطريقة نفسها: مجرد ذباب.

قيل إن الحرب بدأت بسبب قشرة بطيخ.

وقيل بسبب ذبابة عشقت ذبابة من الحي الآخر.

وقيل إن جاسوسًا حلق فوق الرصيف دون تأشيرة.

ثم ظهرت رواية رابعة تقول إن أصل المشكلة ضاع منذ أجيال، وإن الجميع ورثوا الكراهية كما ورثوا لون العيون وعدد الأجنحة.

لكن أحدًا لم يكن مهتمًا بالحقيقة.

قال أحد الشيوخ وهو يهز جناحيه:

"إذا عرفنا السبب، ربما انتهت الحرب... وهذا أمر خطير."

فصفق الجميع.

ومع طول الحرب، لم تعد الدولة موجودة.

ظهرت العصابات.

كانت عصابة الذبابة الزرقاء تبيع الأسلحة للطرفين.

تبيع شوك الصبار على أنه رماح.

وتبيع إبر الصبار على أنها صواريخ بعيدة المدى.

وتبيع الأخبار أيضًا.

وفي الصباح، تبيع النصر لحيّ المنزل.

وفي المساء، تبيع النصر نفسه لحيّ اللحم.

وكان الجميع راضين عن الخدمة.

أما عصابة اليرقات، فقد احتكرت أماكن وضع البيض.

فرضت ضريبة على كل بيضة، ورسومًا على كل يرقة، وحتى الهواء صار يحتاج إلى تصريح بالطيران.

وكانوا يسمون ذلك:

"إصلاحات اقتصادية."

امتلك كل حي قناة فضائية.

في حيّ المنزل، وقف المذيع أمام كومة قمامة مشتعلة وهو يبتسم قائلاً:

"كما تشاهدون... الوضع تحت السيطرة الكاملة."

وفي حيّ اللحم، ظهر المذيع نفسه بعد ساعة، لكن بربطة جناح مختلفة، وقال:

"العدو يلفظ أنفاسه الأخيرة."

وفي الخلفية، كانت الذبابات من الجانبين تهرب من المبيد الحشري.

وفي كل مساء، يظهر الزعيمان.

الأول يقف فوق قطعة خبز يابسة ويصرخ:

"لن نتنازل عن حقنا التاريخي في قشرة البطيخة."

فيهتف الآلاف.

أما الثاني، فيقف فوق قطعة لحم متعفنة ويعلن:

"سنحرر كل القمامة."

فيبكي الجمهور من شدة الحماس.

ولم يسأل أحد يومًا:

بعد التحرير...

من سيأكل القمامة؟

وسط كل هذا، كانت هناك ذبابة صغيرة اسمها "وشوش".

لم تكن تهتم بالسياسة.

كل ما كانت تريده أن تجد حبة سكر، وتعود إلى أمها قبل الغروب.

لكنها كلما اقتربت من الرصيف، أوقفها الحراس.

"إلى أين؟"

"أبحث عن السكر."

"ليس الآن."

"لماذا؟"

"الوطن في خطر."

فتعود جائعة.

وفي اليوم التالي، يصبح الوطن في خطر مرة أخرى.

وفي الذي يليه أيضًا.

حتى كبرت وهي لا تعرف طعم السكر، لكنها تحفظ عشرات الأناشيد الوطنية.

وذات صباح، حلّق في السماء عدو لم يكن من حيّ المنزل ولا من حيّ اللحم.

إنه الإنسان.

دخل يحمل عبوة مبيد حشري.

لم يسأل الذباب إلى أي حي ينتمي.

ولم يفرّق بين من كان يهتف للوطن ومن كان يلعنه.

ضغطة واحدة...

وامتلأت السماء بأجنحة تتساقط كأوراق الخريف.

هرب زعيما الحيين أولًا.

واختبأ تجار السلاح.

واختفى المذيعون.

أما الذباب العادي، فقد ظل يبحث عن مكان آمن في شارع لم يعد فيه حيّ منزل ولا حيّ لحم.

بعد أيام، هدأت الرائحة.

اختفى الدخان.

وبقي الرصيف في مكانه، صامتًا، لا يعرف أنه كان سبب آلاف الخطب، وملايين الشتائم، وأنه لم يكن يومًا أكثر من قطعة إسمنت لا تكترث لمن يموت فوقها.

وعندما جاءت أول دفعة من الذباب الجديد، سألت يرقة صغيرة أمها:

"أمي... لماذا يوجد هذا الخط في وسط الشارع؟"

أجابت الأم بثقة:

"لا أعرف... لكن جدك مات وهو يدافع عنه."

فسكتت اليرقة احترامًا للتاريخ.

وبدأت الحرب من جديد.



إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology