مهندسة شهد القاضي
هل تفقّدتَ ابنكَ البارحة وهو جالسٌ في غرفته خلف شاشة حاسوبه يبتسم؟
لا تفرح كثيراً بوجود جسدهِ في البيت، ولا يغرّنكَ صوتُ نقراتِ أصابعه على لوحة المفاتيح في الهزيع الأخير من الليل.. ابنكَ لم يعد هنا!
إنه ليس في عمان، ولا في إربد، ولا في الزرقاء.. إنه الآن يبيعُ أثمنَ ما تملكُ بلادنا من خلايا عصبية لشركاتٍ في نيويورك، ويقايضُ ليالي سهرِهِ برقمٍ رقميٍّ يعبرُ من وراء البحار ليرتطمَ ببطاقةٍ بلاستيكية في جيبه.
لقد هاجرَ ولدُك.. دون أن يحزمَ حقيبته، ودون أن تودّعه في المطار، ودون أن تذرفَ عليه دمعةً واحدة! مرحباً بكم في عصر "الاستعمار الرقمي الناعم"، حيث تهاجرُ العقولُ، وتبقى الأجسادُ مجردَ هياكلَ عظميّةٍ تستهلكُ الأكسجين في غرفٍ مغلقة.
الجسدُ في المطبخ.. والعقلُ في مانهاتن!.. في القرن الماضي، كان الاغترابُ الأردنيُّ واضحاً، له طقوسٌ تُرى وتُلمس. كان المغتربُ يحزمُ حقائبه، يشتري تذكرة سفر، يودعُ أمهُ بدموعٍ حارة عند بوابة المطار، ويمضي إلى الخليج أو أمريكا بحثاً عن لقمة العيش.. كان الغيابُ ملموساً، تفرغُ منه المقاعدُ في الصالونات، ويتركُ وراءه فراغاً تتلمسه العائلة في فنجان القهوة الصباحي.
أما اليوم؟ اليوم نحن أمام "مأساة صامتة" و"نزيف خفيّ".. الشاب الأردني، المبرمج الفذّ، المصمم العبقري، ومهندس البيانات الذكي، يجلسُ معك على مائدة الغداء، يمرر لك طبق المنسف بيدٍ، وباليد الأخرى يردُّ على إشعارٍ طارئٍ قادمٍ من سياتل أو لندن.
إنها "الهجرة الافتراضية" (Remote Brain Drain).. جريمةٌ مكتملة الأركان تُرتكب بحقّ الاقتصاد المحلي، لكنها مغلفة بغلافٍ أنيقٍ من الرفاهية وجني الأرباح بالدولار واليورو.. جيلٌ كاملٌ يعيشُ بتوقيت "غرينتش" أو "التوقيت الشرقي لأمريكا" وهو يسكن في شقق عمان المحاصرة بأزمات السير والغلاء.. ينامون في النهار كالأشباح، ويستيقظون في الليل ليعمروا بلاداً أخرى، ويبنوا منصاتٍ لشركاتٍ عابرة للقارات، بينما قطاعنا التكنولوجي المحلي يئنُ تحت وطأة الفقر المعرفي والتصحّر البرمجي.
المعادلة المستحيلة: كيف ينافس "الدينار" أمام غول "الدولار"؟.. دعونا نتحدث بجرأةٍ وصراحةٍ تضربُ وجه الواقع المرير.. كيف لشركةٍ برمجيةٍ أردنية ناشئة، أو حتى مؤسسةٍ وطنيةٍ كبرى، أن تقنع مهندساً عبقرياً بالعمل لديها براتبٍ لا يتجاوز بضع مئات من الدنانير، في حين أن هناك شركةً في كاليفورنيا تعرضُ عليه ذات العمل، من وراء شاشته، براتبٍ يبدأ من آلاف الدولارات؟
النتيجة حتمية وصادمة:
تفريغُ السوقِ المحليّ من النخبة: الشركاتُ المحلية لم تعد تتنافس مع جاراتها في شارع مكة أو العبدلي، بل أصبحت في مواجهةٍ مباشرةٍ وخاسرة مع عمالقة وادي السيليكون.. أفضل العقول لدينا تمت تصفيتها وسحبها افتراضياً، ولم يتبقَ للسوق المحلي إلا الفتات، أو المبتدئون الذين ينتظرون أول فرصة "فريلانس" ليهجروا شركاتهم المحلية.
شلل الابتكار الوطني: عندما تعمل النخبةُ على تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي للبنوك الأوروبية وشبكات الدفع الأمريكية، من سيبني حلولنا الوطنية؟ من سيطور تعليمنا الرقمي؟ من سينقذ مؤسساتنا من التخلف التقني؟ نحن نصدرُ المادة الخام الأكثر قيمة في القرن الحادي والعشرين (العقول) بالمجان، ونستوردها لاحقاً على شكل برمجيات جاهزة ندفع ثمنها ملايين الدولارات!
العزلةُ النفسية.. والوطن الذي صار "مجرد فندق".. ولكن، هل الأمر يقتصر على الاقتصاد والمال؟ لا، الوجع الأكبر هو وجعٌ إنسانيٌّ وجودي.
هؤلاء الشباب المغتربون افتراضياً يعيشون حالةً من "الانفصام القومي والاجتماعي".. إنهم معزولون تماماً عن واقع مجتمعهم.. هم لا يكترثون لارتفاع أسعار المحروقات في الأردن، ولا يعنيهم نقاش قانون العمل المحلي، ولا يشعرون بنبض الشارع الأردني وهمومه اليومية؛ لأن "قوتهم اليومي" وأمنهم المالي لا يرتبط بالدولة التي يعيشون فيها، بل يرتبط بمدى رضا "العميل الأجنبي" خلف الشاشة.
لقد تحول الوطن في نظر هذا الجيل إلى مجرد "فندق".. سريرٌ ينامون عليه نهاراً.. واشتراك إنترنت فايبر سريع يربطهم بالعالم الخارجي ليلاً.. ومطعمٌ يطلبون منه وجباتهم عبر التطبيقات.
تلاشت الروابط الروحية بين الشاب وبيئته.. أصبح يعيش في مجتمع افتراضي موازٍ، لغته "الإنجليزية التقنية الهجينة"، وأصدقاؤه هم صور رمزية (Avatars) في تطبيق "Slack" و "Discord".. تجده يعرف تفاصيل أزمة الانتخابات الأمريكية أو سياسات الضرائب في بريطانيا أكثر بكثير مما يعرفه عن تحديات جيله وأقرانه في مخيمات وقرى ومدن وطنه.
صفعةٌ على وجه الوهم: هل يملكنا الدولار أم نملكه؟.. يتباهى الكثيرون قائلين: "ولكنهم يدخلون العملة الصعبة للبلاد!"
حسناً، هذه نصف الحقيقة، أما النصف الآخر فهو الكارثة.. العملة الصعبة التي تدخل، تذهب للاستهلاك الفردي، لشراء السلع الفارهة، لطلب القهوة المتخصصة، لتبني نمط حياة مفرط في الفردية والاستهلاك.. لكنها لا تبني وطناً، ولا تؤسس لبنية تحتية، ولا تخلق فرص عمل مستدامة لمن هم أقل حظاً وتأهيلاً.
إننا نتحول ببطء إلى "عمالة تأجيرية بالقطعة" (Gig Workers) لصالح الغرب الرأسمالي.. يأخذون عصارة شبابنا، وإبداع عقولنا، وساعات نومنا، وصحة عيوننا وظهورنا، ولا يقدمون لنا في المقابل إلا فتات أرباحهم التي يولدها مهندسونا لهم.. وإذا ما انتهى المشروع، أو ظهرت عمالة أرخص في جنوب شرق آسيا، سيتم غلق الحساب بضغطة زر واحدة (Terminate)، ليتلفت الشاب حوله فلا يجد شركة محتضنة، ولا سوقاً محلياً يحترم كفاءته، ولا وطناً تقنياً ينتمي إليه.
إن "الاغتراب الرقمي" هو نزيف كبرياء أمة، تخلت عن عقولها مرتين:
مرةً حين تركتهم يرحلون بأجسادهم في الطائرات.. ومرةً حين تركتهم يرحلون بأرواحهم وعقولهم وهم جالسون في صالونات بيوتهم!
يا أصحاب القرار التقني، ويا أرباب العمل المحليين، ويا أيها الشباب الحالم خلف الشاشات:
المالُ مهم، والدولارُ جاذب.. ولكن انتبهوا، فالبيتُ الذي يهاجرُ كلُّ سكانه افتراضياً، سينتهي به المطاف مهجوراً تسكنه الأشباح، حتى وإن كانت أنواره مضاءة طوال الليل بفعل شاشات الحواسيب!
أعيدوا ربط عقولنا بأرضنا، قبل أن نستيقظ يوماً فلا نجد في هذا الوطن إلا أجساداً شاخصة، تبحث عن شبكة "Wi-Fi" لتشعر أنها على قيد الحياة
