رؤية نقدية بقلم الناقدة منال العبادي
قراءة في مدى العلاقة بعبارة "الجنة تحت أقدام الأمهات" مع العلم بأنها لم تؤكد مصادره من السنة الصحيحة. يُشكّل عنوان المجموعة القصصية "النار تحت أقدامهن" للكاتبة صابرين الصباغ عتبةً نصيةً ذات شحنة نقدية هائلة، لا لأنّه يحمل مفارقة لفظية فحسب، بل لأنّه يُقيم علاقة تضادّية صارخة مع العبارة الدينيةالتراثية المشهورة "الجنة تحت أقدام الأمهات" فينقلب المعنى من مديح مقدّس إلى احتجاج مكثّف، ومن وعد أخروي بالخلاص إلى وعيد دنيوي بالعذاب، وكما يرى جيرار جينيت في نظريته عن العتبات النصية، فإنّ العنوان هنا ليس مجرّد مدخل أو غلاف، بل نصّ موازٍ يمارس سلطة تأويلية على النصّ الرئيسي، ويُشكّل أفقاً لتلقّي القصص، بل يكاد يكون الموجّه الأيديولوجي الأقوى للقراءة. وهذا التمرّد في العنوان يأتي من أديبة تعرف جيداً كيف توظّف الثقافة العربية من الموروث الديني والمثل الشعبي لتهدئة الأسئلة المزعجة، وكيف تُستخدم العبارات المقدّسة كأدوات إيديولوجية تخديرية تُبقي المرأة في موقع التكريم الشفوي مع إبقائها في موقع التهميش الفعلي بفعل تحولات المجتمع وانهيار القيم . هذه العلاقة بين العنوان والمتوارث الديني ليست عارضة، بل مُتعمّدة ومركوزة في صميم المشروع الكتابي للمجموعة، حيث تعيد الأديبة تشكيل العبارة التراثية بنزع قداستها، كاشفة أنَّ ما تحت أقدام النساء ليس جنّةً ولا ناراً مجرّدتين، بل أرضٌ قاسية يحتجن أن يمشين عليها، وذاكرةٌ ثقيلة يحملنها، ونصوصٌ يكتبنها بأنفسهنّ لا تُمنح لهنّ هبةً من أحد. فالعنوان، بهذا المعنى، يُشكّل اختراقاً للخطاب الأيديولوجي المألوف، ويُعلن عن نيّة كتابية مختلفة تماماً عمّا اعتاده القارئ العربي في تناوله لقضايا المرأة، تبدأ المفارقة من التضاد المباشر بين "الجنة" و"النار"، وهما قطبَا الجزاء الأخلاقي في الخطاب الديني، فيحتلّان الموقع المكاني نفسه "تحت الأقدام"، لكن بقيمتين متعاكستين تماماً. فما كان في المثل الشعبي مصدر بركة ونعيم يُصبح في العنوان مصدر ألم واحتراق، وما كان يُعدّ تكريماً للمرأة يُقلب إلى سخرية سوداء أو لعنة مبطّنة، وهذا انزياح استبدالي قائم على المقابل الضدّي، حيث يُحذف "الجنة" وتُستبدل بـ"النار"، فلا يكون ما تحت أقدام النساء جنّةً كما وُعدن، بل ناراً يوقدها الواقع الاجتماعي بكل تناقضاته، تقاليد تُثقل، أنظمة تهمّش، وسلطة ذكورية تُخضع، وهنا تبرز مفارقة التوقع والخيبة، إذ يفاجأ القارئ الذي يستحضر المثل الشعبي بالصدمة والاستفزاز، فينقلب أفق التلقّي من التبجيل إلى النقد، وتتولّد أسئلة محرّضة عن أسباب هذه النار التي تحت الأقدام، هل هي جحيم اجتماعي من مسؤوليات مثقلة وأدوار مُرهقة، أم لأن الواقع أصبح مليئا بالقسوة وأن هناك انحراف بالإلتزام بالخلق الديني والأخلاقي؟. تتعمّق المفارقة في مستوى الضمائر، فبينما تخصّص العبارة التراثية "الأمهات" بضمير محدود يوحي بالقداسة والتفرد، يُعمّم العنوان الضمير "هنّ" ليشمل كل النساء، كأنّ العقاب أو النار ليس للأمّهات المكرّمات فقط بل للأنثى كفئة وجودية برمّتها، بغض النظر عن دورها الأمومي. وهذا انزياح تعميم يحوِّل القضية من خصوصية بيولوجية/أخلاقية إلى قضية نسوية شاملة، تنفتح على كل النساء في مجتمعٍ يرسم لهنّ طريقاً واحداً، أن يكنّ تحت الأقدام، وإن اختلفت نوعيّة ما تحت تلك الأقدام بين جنّة موعودة ونار حقيقية. وهكذا يتحوّل العنوان إلى بيان احتجاجي يتجاوز التعبير الأدبي إلى الموقف الأيديولوجي، حيث لا يكتفي بعكس المثل الشعبي، بل يُفكّكه من جذوره، مُظهراً التناقض الصارخ بين الخطاب التكريمي الظاهري والواقع القاسي المخبوء. ويمكننا هنا مقارنة هذا العنوان بعناوين أخرى مشابهة في الأدب العربي، مثل " الجنة تحت قدميها" لبثينة العيسى التي تتحدث عن الأعراف والتقاليد، لنرى كيف يستخدم كلّ كاتب موقع "التحت" بشكل مختلف، فبينما تبقى تلك العناوين في فضاء الإخبار أو الوصف، يأتي عنوان صابرين الصباغ ليكون فعلاً نقدياً بامتياز، إذ يُحدث انقلاب دراماتيكي في دلالة المكان ذاته، على المستوى التركيبي، حيث يأتي العنوان بصيغة معلّقة دون فعل أو مبتدأ، فيُحدث غموضاً بنّاءً يدفع القارئ إلى تساؤلات وجودية محرّضة، هل النار تحت أقدامهنّ من صنع أقدامهنّ ذاتها أم ممّا تمشين عليه من أرضٍ ملتهبة؟ هل هي نار احتراق اضطهادي تفرضه الظروف، أم نار ثورة وغضب تشعلهنّ بأنفسهنّ؟ وهذا الغموض ليس نقصاً في المعنى، بل فتحٌ لتأويلات متعدّدة، تتراوح بين قراءة العنوان كشهادة ألم، وقراءته كدعوة تمرد. إنَّ حذف "الجنة" وإبقاء "تحت الأقدام" المجرّد من أي وعد يُضفي على المكان معنى استعارياً، حيث لا يكون "التحت" موقعاً فضائياً بقدر ما يكون استعارة للثقل الاجتماعي، والذاكرة المكبوتة، والنصوص المكتوبة بصمت، أي أنّه يصير مرمّزاً لا مكانياً، يحيل إلى علاقات القوة والضعف، وإلى ما يُمارس على الجسد الأنثوي من تسجيل وتقييد، أمّا الانزياح الأعمق، فيتمثّل في قلب العلاقة السلطوية التي يوحي بها العنوان ظاهرياً، إذ يبدو أنَّ "تحت الأقدام" يعني الخضوع والانحناء، لكنّ العنوان يُمرّر فعلاً سلطوياً معاكساً، لأنّ ما تحت الأقدام هو أساس كل ما يعلوها؛ فوجود النار هناك يعني أنَّ كل ما يقوم عليها مهدّد بالاحتراق. وهكذا، فما يُقرأ كإهانة يُمكن أن يُقرأ كقوّة خفيّة، وما يُظنّ سقوطاً قد يكون أصلاً للتأسيس والانقلاب، هذا القلب الاستعاري يُحوِّل العنوان من مجرّد وصف إلى لعبة نقدية تعيد توزيع أدوار السلطة بين الجنسين، وتجعل من النار علامة على حضورٍ لا يُستهان به، تماماً كما تفعل النار في الأساطير، إنّها تدمّر لكنّها تُنير، تحرق لكنّها تُطهّر، تُخيف لكنّها تجذب، وإذا ما توسّعنا في قراءة العنوان في سياق المجموعة القصصية، نرى أنّه يؤدّي وظيفة العدسة التي من خلالها يُقرأ كلّ النصّ، فهو ليس غلافاً براقاً بقدر ما هو مفتاحٌ دلالي يُعيد تشكيل تلقّي القارئ للقصص. فالعنوان يُهيئ القارئ لاستقبال عوالم نسوية لا تستجدي التكريم، بل تُصارح بتناقضاته، عوالم تُعيد كتابة الجسد والذاكرة والأرض من موقع الجحيم لا من موقع الجنة، وهكذا، يصير العنوان نقيضاً تامّاً للموروث الديني، ويحوّل الفضيلة إلى رذيلة، والثواب إلى عقاب، والرفعة إلى سقوط، فيفضح التناقض بين خطاب المجتمع التكريمي للنساء وممارساته الإقصائية الفعلية. وممّا يزيد العنوان قوّة أنّه لا يكتفي بالنفي أو الهدم، بل يُشير إلى إمكانية التحويل، فالنار ذاتها قد تكون أداةَ تغيير لا مجرّد أداة عذاب، وهذا ما يمنح المجموعة بُعداً مستقبلياً لا يقتصر على توثيق الألم، والخلاصة النهائية أنّ "النار تحت أقدامهن" ليس مجرّد عنوان جذاب، بل خطاب نقدي متكامل في جملة واحدة، يستدعي عبارة "الجنة تحت أقدام الأمهات" لينقلب عليها في مفارقة شاملة، ويعتمد الانزياح في مستوياته اللفظية والتركيبية والدلالية ليُنتج معنى مفتوحاً على التأويل. إنّه يُسقط فكرة الجزاء الأخروي ليُؤسّس لفكرة العدالة الأرضية، ويُحرّر المرأة من فخّ التكريم التي دعت اليه الأديان ولم يحققه متبعوها ليدفعها إلى موقع المواجهة، حيث النار تحت الأقدام ليست موتاً، بل ولادة أخرى للكتابة من رحم ما احترق، وبداية لتساؤل أخلاقي واجتماعي عن حقيقة ما يُوضع تحت أقدام النساء، وعن أيّ نار تلك التي تُشعلها كتابةٌ كهذه في ثقافةٍ ظلّت طويلاً تكرّر وعد الجنة دون أن تسأل عمّا تحته. السؤال الذي يطرح نفسه من خلال هذا العنوان من الذي حول الجنة إلى نار ؟وكيف؟! ولماذا؟!
