قراءةٌ نقديّةٌ في قصيدةِ «لَمْ يَزَلْ يَشِيخُ العِتابُ»

 


بقلمِ الكاتبةِ رزان الرابي 

تُشكّلُ قصيدةُ «لَمْ يَزَلْ يَشِيخُ العِتابُ» للشاعرِ علاء الدين الحمداني مساحةً شعريّةً رحبةً، تتجلّى فيها لغةُ الشوقِ والبوحِ، حيثُ ينسجُ الشاعرُ من مفرداتِ الغيابِ والحنينِ لوحةً وجدانيّةً عميقةً تُلامسُ حساسيّةَ القلبِ الإنسانيّ.

منذُ العنوانِ، يضعُنا الشاعرُ أمامَ صورةٍ رمزيّةٍ مكثّفةٍ؛ فـ«شيخوخةُ العتابِ» ليست مجرّدَ تعبيرٍ عن الألمِ، بل إشارةٌ إلى عتابٍ طالَ به الانتظارُ حتى غدا جزءًا من ذاكرةِ الروحِ. ويعتمدُ الحمدانيُّ على لغةٍ شعريّةٍ غنيّةٍ بالاستعاراتِ، فيحوّلُ الدموعَ إلى مجامرَ للشوقِ، والحنينَ إلى نارٍ مشتعلةٍ بينَ الضلوعِ، فيكشفُ عن عمقِ التجربةِ العاطفيّةِ.

يمتازُ النصُّ بتكثيفِ الصورةِ الشعريّةِ، إذ تتجاورُ ثنائيّاتُ النورِ والعتمةِ، والحضورِ والغيابِ، والأملِ والانكسارِ، لتشكّلَ صراعًا داخليًّا يعيشُهُ الشاعرُ بينَ رغبةِ اللقاءِ ومرارةِ الفقدِ. كما يمنحُ الشاعرُ عناصرَ الطبيعةِ حضورًا حيًّا؛ فالفجرُ ينادي، والليلُ يلتفُّ، والحنينُ يتشكّلُ كالسحابِ، في بناءٍ يُضفي على القصيدةِ جمالًا وحركةً.

وتتجلّى براعةُ الحمدانيِّ في قدرتهِ على تحويلِ الوجعِ إلى جمالٍ شعريٍّ؛ فالحبُّ في القصيدةِ ليس حالةَ ضعفٍ، بل قوّةٌ روحيّةٌ قادرةٌ على إحياءِ ما خمدَ في الداخلِ. فالعبارةُ الختاميّةُ التي تجعلُ العشقَ «جرحًا جميلًا» تحملُ رؤيةً فلسفيّةً ترى في الألمِ طريقًا لاكتشافِ الذاتِ وولادةِ المستحيلِ.

إنَّ قصيدةَ «لَمْ يَزَلْ يَشِيخُ العِتابُ» تكشفُ عن شاعرٍ يمتلكُ حسًّا تصويريًّا ولغةً وجدانيّةً شفيفةً، استطاعَ أن يجعلَ من الغيابِ حضورًا، ومن الصمتِ صوتًا، ومن الانكسارِ نافذةً تُطلُّ على الأملِ. إنّها قصيدةٌ تُراهنُ على صدقِ الشعورِ وجمالِ التعبيرِ، وتؤكّدُ أنَّ الشعرَ الحقيقيَّ هو القادرُ على تحويلِ نبضِ القلبِ إلى أثرٍ باقٍ في ذاكرةِ القارئِ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology