بقلم : زَاكِيَةُ الْمَحْفَلِي
في كل صباح يخرج آلاف الأشخاص من منازلهم بوجوه هادئة. وملابس مرتبة. وابتسامات خفيفة توحي بأن كل شيء على ما يرام. يحيون الآخرين. ينجزون أعمالهم ويجيبون *عن السؤال المعتاد: كيف حالك؟ بـ الحمد لله بخير.*
لكن الحقيقة أن كثيرين لم يعودوا يعرفون معنى أن يكون الإنسان بخير.
كيف يكون بخير من أصبح راتبه ينتهي قبل أن ينتهي الأسبوع؟ كيف يكون بخير أب يقف أمام متجر يحسب ثمن الحليب والخبز ثم يعيد أحدهما إلى الرف لأن ما في جيبه لا يكفي؟ كيف تكون بخير أُم تؤجل شراء دوائها حتى يتمكن أطفالها من تناول وجبة كاملة؟
وهناك من لم يعد يملك بيتاً يعود إليه. ولا مدينة تشبه ذاكرته. حمل أبناءه. وغادر تحت صوت الخوف ثم بدأ من جديد في مكان لا يعرفه يحمل صفة *«نازح»* بدلاً من اسمه. يسأله الناس عن حاله فيبتسم ويقول:- الحمد لله. وكأن هذه الكلمات أصبحت آخر ما يملكه.
وفي زاوية أخرى يقف شاب يحمل شهادة جامعية📃 لكنه لا يجد وظيفة تمنحه حقه في بداية حياة كريمة. يمضي العمر بين طلبات التوظيف والوعود المؤجلة حتى يصبح الحلم البسيط عبئاً ثقيلاً.
*ثم يأتي الفساد...* ذلك الذي لا يسرق المال فقط بل يسرق الفرص ويؤخر الحقوق ويجعل الكفاءة تقف في آخر الصف بينما تتقدم الواسطة في أول الطريق. وحين يتكرر المشهد سنوات طويلة يتعلم الناس أن الصمت أقل كلفة من الاعتراض.
لهذا أصبح الجميع يمثل أنه بخير.
ليس لأنهم أقوياء دائماً بل لأن الحياة لم تترك لهم خياراً آخر. لأن الشكوى لا تخفض الأسعار ولا تعيد بيتاً هدمته الحرب. ولا تفتح باب وظيفة ولا تسترد حقاً ضاع بين المكاتب.
ومع ذلك... ما زال الناس يزرعون الأمل في أكثر الأيام قسوة. يبتسمون لأطفالهم رغم ضيق الحال ويذهبون إلى أعمالهم رغم التعب ويؤمنون أن الكرامة ليست فيما يملكون بل فيما يحافظون عليه داخل قلوبهم.
ربما أخطر ما فعلته السنوات بنا أنها لم تجعلنا نتألم أكثر... بل جعلتنا نتقن إخفاء الألم.
ولهذا لا تصدق كل ابتسامة تراها ولا تستهن بكل عبارة *«أنا بخير.»* ففي هذا الزمن أصبحت هذه الجملة أحياناً أكبر كذبة يقولها الإنسان... حتى يتمكن من إكمال يومه.
