بقلم : د. تهاني رفعت بشارات
ليست الحياة طريقاً مفروشاً بالورود، ولا رحلةً تخلو من المنعطفات الحادة والعواصف المفاجئة. فلكل إنسان نصيبه من الألم، ولكل قلب حكاية لم يطلع عليها أحد، ولكل روح معركة تخوضها بصمت بعيداً عن أعين الناس. وما بين انكسارٍ وقيام، وخسارةٍ وتعويض، ويأسٍ ورجاء، تتشكل شخصية الإنسان، ويُصاغ معدنه الحقيقي.
قد تمرّ بنا أيام نشعر فيها أن الأرض قد ضاقت بما رحبت، وأن الأبواب جميعها أوصدت، وأن الأحلام التي بنيناها حجراً فوق حجر قد انهارت في لحظة واحدة. وربما نقف أمام واقعٍ لم نختره، وظروفٍ لم نصنعها، فنظن أن الطريق قد انتهى، وأن الحياة لم تعد تحمل لنا سوى الخيبات. لكن الحقيقة التي تؤكدها الأيام، ويشهد لها التاريخ، أن النهاية الحقيقية ليست في السقوط، وإنما في الاستسلام له.
فالرياح العاتية لا تُقتلع منها إلا الأشجار اليابسة، أما الأشجار الراسخة فإنها تنحني قليلاً لتنجو، ثم تعود أكثر صلابة وشموخاً. وكذلك الإنسان؛ ليس مطلوباً منه ألا يتألم، وإنما أن يتعلم كيف يجعل من الألم سلماً يرتقي به، لا قيداً يكبله.
كم من إنسانٍ ظن أن الحياة أغلقت أبوابها في وجهه، فإذا بالأيام تفتح له أبواباً لم يكن يتخيل وجودها. وكم من خسارةٍ كانت في ظاهرها نهاية، فإذا بها بداية لمرحلة أجمل وأوسع وأعمق. فالله سبحانه وتعالى يدبر الأمور بحكمة قد تعجز عقولنا عن إدراكها في لحظتها، لكن الأيام وحدها تكشف لنا أن كثيراً مما بكينا عليه، كان في حقيقته رحمة خفية، وأن كثيراً مما تمنيناه لو تحقق، كان سيحمل لنا من الألم ما لا نطيق.
ولذلك، فإن أول خطوة في طريق التعافي هي أن تؤمن بأن ما تمر به ليس قدرك الأبدي، وإنما محطة عابرة في رحلة طويلة. فما من ليلٍ مهما طال إلا وأذن الله لفجره أن يولد، وما من شتاءٍ إلا ويحمل في أحشائه ربيعاً ينتظر أوانه.
غير أن بعض الناس يزيدون جراحنا عمقاً بدلاً من أن يخففوها. منهم من لا يرى في حديثه إلا السواد، ولا يجيد إلا استحضار الفشل، وتذكير الآخرين بما فقدوه، وكأن اليأس رسالة يحملها إلى كل قلب متعب. لذلك، من الحكمة أن تحسن اختيار من تسمح لكلماته أن تسكن روحك. فالكلمة قد تكون دواءً يحيي قلباً، وقد تكون سهماً يضاعف نزيفه.
أحط نفسك بمن يزرعون الأمل في قلبك، بمن إذا ضاقت بك الدنيا وسعوها عليك، وإذا تعثرت أخذوا بيدك، وإذا ضعفت ذكّروك بقوتك، وإذا نسيت نعم الله أيقظوا في قلبك الامتنان. فالأرواح الطيبة ليست ترفاً في الحياة، بل نعمة عظيمة لا تُقدَّر بثمن.
لكن، وفي الوقت نفسه، لا تجعل سعادتك مرهونة بوجود الآخرين. فهناك معارك لا يستطيع أحد أن يخوضها عنك، وهناك جراح لا يملك أحد أن يداويها إلا أنت، بعد توفيق الله. لا تنتظر أن يأتي أحد لينتشل حياتك من الركام، بل كن أنت أول من يبدأ بإعادة البناء. ضع خطة جديدة، وارسم أهدافاً جديدة، وافتح نافذة يدخل منها الضوء إلى روحك. فالحياة لا تكافئ المنتظرين، بل تكافئ الذين ينهضون رغم التعب.
ولا تنس أن الجسد المتعب يثقل الروح، وأن الروح المنهكة تُضعف الجسد. لذلك، اعتنِ بنفسك كما تعتني بأغلى ما تملك. نم جيداً، وتناول غذاءً صحياً، وامشِ تحت السماء المفتوحة، وتنفس الهواء بعمق، وتأمل جمال الأشجار، واستمع إلى تغريد الطيور، ومارس هواياتك، وافتح قلبك للعطاء. فما أعجب أثر الإحسان في شفاء الأرواح؛ فحين تضيء شمعة في حياة غيرك، تجد أن نورها ينعكس على قلبك قبل أن يصل إليه.
ولعل أجمل درس يمكن أن نتعلمه من الطبيعة هو ما يقدمه البحر كل يوم. فهو يستقبل في أعماقه الأتربة، والأخشاب، وكل ما تلقيه إليه الأمواج، لكنه لا يسمح لذلك كله أن يعكر زرقة سطحه أو يسلبه هيبته. يحتفظ بثقله في الأعماق، ويمنح العالم على سطحه لوحة من السكينة والجمال.
وهكذا ينبغي أن يكون الإنسان الناضج؛ يحمل أوجاعه بحكمة، لا بضجيج، ويخوض معاركه بكرامة، لا بشكوى دائمة. فليس كل ما يؤلم القلب يحتاج أن يقال، وليس كل دمعة ينبغي أن يراها الناس. بعض الجراح يلتئم في صمت، وبعض الانتصارات تبدأ من داخل النفس قبل أن يراها العالم.
وفي خضم هذه الرحلة، لا تغفل عن أولئك الذين وقفوا إلى جانبك عندما انصرف الجميع. أولئك الذين اقتسموا معك لحظات ضعفك، وربتوا على كتفك حين أوشكت على السقوط، ومنحوك من وقتهم وقلوبهم دون انتظار مقابل. هؤلاء لا يُنسون، ولا تُنسى مواقفهم، فالمواقف العظيمة لا يطويها الزمن، بل تبقى مزروعة في الذاكرة كالأشجار المباركة، تثمر وفاءً كلما مرت عليها الأيام.
فالوفاء ليس أن تتذكر من أحبك حين تكون قوياً، وإنما أن تحفظ جميل من حمل عنك شيئاً من ألمك عندما كنت عاجزاً عن حمل نفسك. وأجمل الناس أولئك الذين يكونون سنداً في زمن الانكسار، لا متفرجين على الألم.
ثم تذكر دائماً أن الله لا يترك عبداً تعلق قلبه به. فالتوكل ليس كلمة تُقال، وإنما يقين يملأ القلب، وطمأنينة تجعل الإنسان يرى في كل محنة باباً إلى منحة، وفي كل تأخير حكمة، وفي كل منع عطاءً مؤجلاً. قال تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً). ولم يقل بعد العسر يسراً، بل قال مع العسر يسراً؛ وكأن الفرج يسير إلى جوار الشدة منذ لحظتها الأولى، لكنه يأتي في الوقت الذي يختاره الله، لا في الوقت الذي نستعجله نحن.
اعلم أن الأيام دول، وأن الأحزان ليست مقيمة، وأن الفرح ليس غريباً عن بيت صبر أهله. وربما يأتي يوم تلتفت فيه إلى الوراء، فتبتسم لكل ما أبكاك، لأنك ستدرك أن تلك العثرات هي التي علمتك كيف تمشي بثبات، وأن تلك الخسائر هي التي كشفت لك قيمة ما بقي لديك، وأن تلك الليالي الطويلة هي التي عرفت فيها ربك أكثر، وعرفت نفسك أكثر، وعرفت الناس على حقيقتهم.
لا تستسلم أبداً. فالاستسلام هو الهزيمة الوحيدة التي يختارها الإنسان بنفسه، أما كل هزيمة بعدها فهي درس، وكل سقوط يعقبه نهوض هو بطولة، وكل جرح يلتئم يترك في الروح حكمة لا تُشترى بثمن.
ارفع رأسك، مهما أثقلتك الحياة. وامضِ إلى الأمام، مهما تعثرت خطواتك. وكن على يقين أن الله لا يضيع صبر الصابرين، ولا يخيب رجاء المتوكلين عليه.
وربما تؤلمك الحياة اليوم، لكنها تُعدّ لك غداً يليق بصبرك. وربما تنهمر الدموع الآن، لكنها ستكون يوماً شاهدة على أنك كنت أقوى مما ظننت، وأعظم مما تخيلت.
ثق بالله... ثم بنفسك... ثم لا تتوقف عن السير.
فما دام القلب عامراً بالإيمان، وما دام الأمل نابضاً في الروح، فإن القادم بإذن الله أجمل، وأنقى، وأقرب إلى أحلامك مما تظن. ورغم الألم، يبقى الأمل. ورغم العتمة، يبقى النور. ورغم كل ما يحدث، يبقى يقين المؤمن راسخاً بأن ما عند الله خير، وأن بعد كل ضيق سعة، وبعد كل انكسار جبر، وبعد كل ليل... فجرٌ لا بد أن يشرق.
