.
كتبت/ سهيلة آل حجازي باحثة في اللغة العربية وآدابها.
ليس كل من وُلد في الصحراء حملها في قلبه، أما هو فقد نشأ منها، كما تنبت شجرة الآس من تربتها الأولى، فتحت الرمال له دروب التأمل، وأهدته الريح لغتها الخفية، وعلّمته السماء أن للكلمات اتساعًا يشبه الأفق، بصيرته ترى في الصحراء وطنًا للمعنى، منها استعار صبره، ومن نجومها أخذ هدايته، ومن صمتها تعلّم أن أعظم الشعر يولد حين يعجز الضجيج عن التعبير، فغدت قصائده مرايا لذلك الفضاء الرحب، تنبض بأصالة البادية، وتفيض بعاطفةٍ صادقة، حتى بدا كأن الرمال نفسها تملي عليه أبياته، ويباركها الأفق كلما نطق بها.
وعلى الرغم أن شاعرنا مقل في إنتاجه إلا أنكَ ما إن تسمعه، حتى تشعر بأن هناك روحًا من زمن بعيد تطوف حولك، وتنشدك من الشعر أبهى الحلل.
مختارات من قصائد علي المقرحي:
القصيدة الأولى/
حين يصير الوطن جرحًا: قراءة نقديّة في بنية الوجع والعزة.
كنا نسمع بالأمس القريب الشعراء يتحدثون عن الألم، وبين أيدينا اليوم، نص لا يكتفي بأن يقول الألم، بل يقيمه عقيدة لغوية، ويجعل من القصيدة مساحة، يتجاوز فيها الكبرياء والانكسار، دون أن يطغى أحدهما على الآخر.
تأتي قصيدة المقرحي، الشاعر الليبي، في تسعة أبيات على بحر البسيط، وقد وُفق الشاعر في استخدام البحر مع ما حملت القصيدة من شعور ومعنى.
يقول الشاعر/ علي المقرحي
ما الموتُ في الأرضِ إلا بعضُ ما أجِدُ
لو مسّني الصخرُ لم يُنسَبْ لهُ الجَلَدُ
أموتُ بالعِزِّ بل أحيا بميتَتِهِ
الحُرُّ عِزُّ وأمسٌ يقتفيهِ غَـدُ
أتى الزمانُ بسَيلِ الذُّلِّ، منطِقُهُ
أنْ ليسَ يرفعُ راياتِ العُلى أحَدُ
ونُكِّسَ المَجدُ إلاّ أَنَّ رايتَـهُ
بقلبِ كُلِّ أصيلٍ قَدَّستْهُ يَدُ
هـٰذي البلادُ على الأيامِ قد صُلِبتْ
أبناؤُها فَرّقوها كلّما اتَّحدُوا
أتباعُ كُلِّ نعيقٍ قال فلسفةً
وبانحلالِهِمِ حلُّوا الذي عقدُوا
عجِبتُ من أُمّةٍ جُهَّالَها وَلدتْ
ومِن معالِمِها أو عِلمِها تَئِـدُ
ما وحدةُ الأرضِ إن أطرافها اتحدت
بل رُقعةُ الأرضِ بالأرواحِ تتّحِدُ
في كُلِّ يومٍ تمُدُّ الكفَّ يا وطني
لجمعنا فإذا الأحقادُ تتَّقِـدُ
الشاعر هنا لا يرثي وطنًا بالمعنى المباشر، وإنما يرثي الإنسان حين يفتقد المعنى، الذي يجعله أهلًا للوطن أصلًا.
منذ مطلع القصيدة تتبدى نظرة التعالي على الموجع، في قول علي المقرحي:
- ما الموت في الأرض إلا بعض ما أجد.
الموت هنا لم يعد نهاية مرعبة، بل درجة أقل من شعور داخلي يستنزف الذات، وهذه بداية جيدة ورائعة، إذ أنها لا تدخل من بوابة الحدث، بل من عمق الإحساس، وإني أقول أن أجمل ما في المطلع ليس فكرته وحدها، بل تلك القسوة الهادئة التي تقال بها الحكمة، وكأنما المقرحي بلغ من التعب مرحلة لا يحتاج معها إلى الصراخ، ويتجلى ذلك في الشطر الثاني من البيت الأول، اعتمد المقرحي على التصريع في البيت الأول لجذب انتباه الأذن، وقد تجلى ذلك في ( ما أجد، الجلد)
وفي قوله:
- أموت بالعز بل أحيا بميتته
ييلغ النص ذروة اعتداده، فالعز لم يعد قيمة أخلاقية فحسب، بل وسيلة نجاة وجودية، وكأن الحياة بلا كرامة صورة أخرى للموت، بينما الميتة الكريمة نوع من الخلود، وعلى الرغم من قدم الفكرة في الشعر العربي، إلا أنها جاءت محمولة على صدق شعوري منحها حداثتها، ويأتي في الشطر الثاني مفارقة؛ إذ تحولت الموتة الكريمة إلى نوع من الخلود المعنوي، وهنا يكشف المقرحي اللثام عن العزة؛ إذ هي عنده ليست حالة، بل امتدادًا تاريخيًا متصلًا.
- أتى الزمان بسيل الذل منطقه:
هنا شخَّص المقرحي الذل، وجعل له منطقًا، وكأن الانحدار صار فلسفة عامة يتداولها الناس.
- ونُكس المجد إلا أن رايته:
على الرغم من سقوط المظاهر، يبقى المجد في قلب كل شريف، وفي هذا بصيص أمل ينبع سواد العامة والرعية.
إلا أن النقلة للحديث عن الأمة، نلاحظ فيها تخففًا من الشعر لمصلحة الخطابة أحيانًا، وبخاصة في الأبيات التي تُكثر من إصدار الأحكام المباشرة مقوله:
- أتباع كل نعيق قال: فلسفة
فالبيت يحمل غضبًا جليًا، لكنه يقترب من التقرير أكثر مما يقترب من الإدهاش الشعري؛ إذ إن القصيدة كلما فُسرت خسرت شيئًا من توهجها الفني، ومع ذلك، فإن النص يستعيد قوته سريعًا في صور شديدة الألم، كقول المقرحي:
- هذي البلاد على الأيام قد صُلبت
أبناؤها فرقوها كلما اتحدوا
فهنا تتجلى قدرة الشاعر على تكثيف آل مأساة في صورة واحدة، فالوطن ليس جريحًا فقط، بل مصلوب، الجلاد ليس غريبًا، بل الابن ذاته، ولعل هذا أكثر الأبيات صدقًا قسوة في آن واحد - إن لم يكن أصدقها وأقساها - فحال البلاد مثل حال ابن مريم عليهما السلام، مصلوب بيد الأهل.
- ما وحدة الأرض إن أطرافها اتحدت
بل رقعة بالأرواح تتحد
إني أقول: هذا البيت هو الأجمل دلالة في نص المقرحي؛ إذ خرج من السياسة إلى الوعي الإنساني الأعمق، فالوحدة ليست خرائط، بل قيم وعادات، وأعراف مشتركة، وشعور متبادل بالانتماء، ومن هنا فإن نص المقرحي قد تجاوز لحظته العابرة؛ يقترب من الحكمة الشعرية الباقية.
من حيث اللغة نجد القصيدة، تميل إلى جلالة اللفظ، فيستند المقرحي إلى معجم تراثي يمنح القصيدة مهابة، وانسجامًا مع موضوعها، لكنَّ بعض الأبيات كانت تحتاج إلى الاقتصاد اللغوي؛ حتى لا تتكئ على المعنى أكثر، ومع ذلك يبقى نص المقرحي قادرًا على خلق أثره؛ لأنه كُتب من منطقة مشتعلة في الروح، لا من رغبة في الوعظ أو التزيين، وهذا ما يجعل القصيدة رغم سوداويتها ممتلئة بحياة داخلية لا تخطئها القراءة.
القصيدة الثانية/
أرضٌ على غيري أبَتْ عذراءُ
يُعطشْكِ -إنْ لم أسقِ فيكِ- الماءُ
غيثي إذا ما كُنتِ تحت ظِلالِهِ
وقفًا سقاكِ وغيثُنا إرواءُ
قد جئتِ راغبة وراهبةً فلا
صدٌّ، كذلك يفعلُ الكُرماءُ
ما كنتِ أول جاهلٍ أكرمتُهُ
عندي على دهري يدٌ بيضاءُ
سقطَ اللثامُ هوىً على أعتابنا
الآن تُبصِرُ عينُكِ العمياءُ
وشربتِ خمرا لن تفيقي بعدهُ
حتى يقُالَ لمن قضَوا أحياءُ
تقوم هذه القصيدة على صوتٍ شعريٍّ، ينهض من مقام السيادة لا الاستعلاء، ومن فيض العطاء
لا انتظار المقابل، ومنذ المطلع يؤسس الشاعر لعلاقة غير مألوفة بين الذات والمخاطبة، فيجعل الأرض تأبى أن تكون عذراء لغيره، ثم يربط الماء نفسه بفعل السقيا الصادر عنه، وكأن الوجود لا يكتمل إلا بمرور الذات الشاعرة فيه، وهذه المبالغة ليست ادعاءً بقدر ما هي وسيلة فنية لتجسيد حالة وجدانية تبلغ أقصى درجات الثقة.
يعتمد النص على حقل دلالي متماسك تتصدره مفردات الماء والغيث والسقيا، وهي ليست عناصر وصفية، وإنما تتحول إلى رموز للعطاء والهداية والحياء، فالغيث في البيت الثاني ليس مطرًا عابرًا، بل وقفٌ دائم، وهي استعارة موفقة تُلبس العطاء صفة الاستمرار والقداسة، فينتقل الفعل من كونه إحسانًا فرديًا إلى قيمة أخلاقية راسخة.
ويستثمر الشاعر التضاد بوصفه محركًا للبنية الداخلية؛ فالرغبة تقابل الرهبة، والجهل يقابل الكرم، والعمى يقابل الإبصار، والموت يقابل الحياة. وهذه الثنائيات لا تأتي لمجرد الزخرفة البلاغية، وإنما تكشف تحولات المخاطبة منذ لحظة القدوم حتى لحظة الانكشاف، حيث ينتقل النص من الامتحان إلى اليقين.
ويبلغ التصوير ذروته في قوله:
سقط اللثام هوىً على أعتابنا
الآن تُبصرُ عينُكِ العمياءُ
فهنا يتحول اللثام إلى رمز للحجاب النفسي، أو الوهم الذي كان يحول دون رؤية الحقيقة، ويأتي السقوط بوصفه لحظة انكشاف كاملة، بينما يضفي وصف العين بالعمياء كثافة دلالية توحي بأن البصيرة هي المقصودة قبل البصر، وهذا من أجمل مواضع القصيدة؛ لما فيه من تداخل المجاز بالمعنى النفسي.
أما البيت الأخير، فقد استعار صورة الخمر الصوفية التي لا تشير إلى الشراب الحسي، وإنما إلى نشوة المعرفة أو الهيام، فجعل أثرها ممتدًا إلى حد تبدل مفاهيم الحياة والموت:
وشربتِ خمرًا لن تفيقي بعده
حتى يُقالَ لمن قضوا أحياءُ
وهي خاتمة ذات نفس صوفي واضح، تتجاوز الغزل المباشر إلى تصوير أثر الحب بوصفه حالة وجودية تغيّر إدراك الإنسان للعالم.
ومن الناحية الموسيقية، جاءت القصيدة محافظة على عمود الشعر العربي، متكئة على إيقاع رصين وقافية ممدودة بالألف والهمزة، وهو اختيار أسهم في إضفاء نبرة الفخامة والامتداد، كما انسجم مع طبيعة الخطاب الواثق الذي يفيض به النص.
ورغم ما تمتلكه القصيدة من جزالة وصور لافتة، فإن كثافة الاعتداد بالذات في بعض المواضع قد تجعل صوت المتكلم يطغى على حضور المخاطبة، فتتحول العلاقة أحيانًا إلى خطاب أحادي الجانب، وهو ما قد يحدّ من التوازن الشعوري، وإن كان منسجمًا مع الرؤية الفنية التي أرادها الشاعر.
في مجملها، تقدم قصيدة تجربة شعرية ناضجة، تجمع بين فخامة اللفظ، وعمق الرمز، وحسن توظيف الصورة البلاغية، وتكشف عن شاعر يمتلك أدواته اللغوية ويعرف كيف يجعل من القصيدة فضاءً تتلاقى فيه الفروسية الوجدانية مع الإيحاء الصوفي، فيخرج النص محتفظًا بأثره الجمالي بعد انتهاء القراءة.
