جماليَّاتُ قصصِ الأطفالِ بينَ البساطةِ والوضوحِ والمعرفةِ




بقلمِ الكاتبِ قصيِّ الفضليِّ

بين أيدينا مجموعةٌ قصصيَّةٌ للأطفال بعنوان «مملكةُ الأحلامِ الصغيرةِ»، من تأليفِ الكاتبةِ رزان الرابي، تضمُّ سبعَ قصصٍ قصيرةٍ موجَّهةً للأطفال الذين تتراوحُ أعمارُهم بينَ (5–12) سنةً.

وتحملُ القصصُ العناوينَ الآتية:

نورٌ والفراشةُ.

الأرنبُ الذي أحبَّ القراءةَ.

القمرُ الذي يزورُ الأرضَ.

سيارةُ فهدٍ الزرقاءُ.

الأسدُ وصوتُ العصفورِ.

الريشةُ التي غيَّرتِ الغابةَ.

الكتابُ الذي يختارُ قارئَه.

بدايةً، سنتحدَّثُ عن القصةِ الأولى، «نورٌ والفراشةُ»، التي تُذكِّرنا بالمسلسلِ التلفزيونيِّ للأطفال «السيدةُ ملعقةُ»، التي كانت تصغرُ لتصبحَ بحجمِ ملعقةٍ، فتخوضُ مغامراتٍ وتعيشُ حياةً كاملةً بينَ الحيواناتِ والحشراتِ. أمَّا في قصتنا، فتجدُ نورٌ حديقةً مليئةً بالعجائبِ من خلالِ فراشةٍ زرقاءَ تقتربُ منها وتصبحُ صديقةً لها، ثم تتعرَّفُ إلى الأرنبِ والسنجابِ، فتُكوِّنُ لنفسِها مساحةً من السعادةِ بينَ أصدقاءَ جددٍ، وتكتشفُ جمالَ الحديقةِ وروعةَ محبةِ الآخرين.

أمَّا القصةُ الثانيةُ، «الأرنبُ الذي أحبَّ القراءةَ»، فتتحدَّثُ عن أرنبٍ صغيرٍ اسمه رامي، كان لا يحبُّ القراءةَ، ويفضِّلُ اللعبَ فقط، ويُهملُ نصائحَ والدتِه. لكنَّه صادفَ فراشةً صغيرةً، فلحقَ بها حتى تاهَ في الطريقِ، ولم يستطع العودةَ؛ لأنَّه لم يكن قادرًا على قراءةِ اللوحةِ الإرشاديَّةِ. ثم صادفَ بومةً أخبرتْه بأنَّ القراءةَ ضرورةٌ، وأنَّ العلمَ يجعلُ الإنسانَ أقوى وأذكى. فكان ذلك درسًا مهمًّا دفعَه إلى تعلُّمِ القراءةِ، حتى اكتسبَ الثقةَ بنفسِه، وأصبحَ ذكيًّا يساعدُ الآخرين، ويقرأُ لهم ويعلِّمُهم، حتى عُرِفَ في الغابةِ باسم الأرنبِ الذي أحبَّ القراءةَ.

وفي القصةِ الثالثةِ، «القمرُ الذي يزورُ الأرضَ»، نجدُ أنَّ الخيالَ كان له حضورٌ أكبرُ من الواقعِ؛ إذ إنَّ بطلَ القصةِ هو القمرُ، الذي كان يهبطُ إلى الأرضِ كلَّ ليلةٍ على هيئةِ طفلٍ صغيرٍ يرتدي ثوبًا فضيًّا لامعًا، ويلتقي أناسًا وحيواناتٍ كثيرةً، ثم يتحوَّلُ إلى ضوءٍ ناعمٍ يلامسُ أحلامَ الأطفالِ، ويزرعُ البسمةَ والسعادةَ أينما حلَّ. لكنَّه أدركَ في النهايةِ أنَّ مكانَه الحقيقيَّ هو السماءُ، لتبقى بينه وبين الجميعِ رابطةُ محبةٍ لا تنقطعُ.

أمَّا قصةُ «سيارةُ فهدٍ الزرقاءُ»، فتدورُ حولَ فتى يُدعى فهدًا يحبُّ سيارتَه الزرقاءَ، ويعدُّها صديقةً مقرَّبةً، ويقضي معها معظمَ أوقاتِه. وحين ضاعت بين أشجارِ الحديقةِ شعرَ بحزنٍ شديدٍ، ثم غمرتْه الفرحةُ عندما وجدَها، ليتعلَّمَ درسًا مهمًّا في المحافظةِ على ممتلكاتِه وأشيائِه الجميلةِ.

ونأتي الآن إلى القصةِ الخامسةِ، «الأسدُ وصوتُ العصفورِ»، حيث ننتقلُ إلى عالمِ الغابةِ والحيواناتِ. وهي قصةٌ موجَّهةٌ للأطفالِ الصغارِ، وتؤكِّدُ أنَّ القوةَ الجسديةَ، أو الصوتَ المرتفعَ، ليسا الوسيلةَ المثلى لنشرِ الطمأنينةِ. فعندما هبَّت عاصفةٌ قويةٌ، لم يستطع الأسدُ أن يهدِّئَ الحيواناتِ بزئيرِه، بينما كان تغريدُ العصفورِ هو الذي أدخلَ الفرحَ إلى قلوبِهم، وأعادَ إليهم السكينةَ والطمأنينةَ.

وفي القصةِ السادسةِ، «الريشةُ التي غيَّرتِ الغابةَ»، ما زلنا في عالمِ الحيوانِ والخيالِ، إذ تهبطُ ريشةٌ لامعةٌ تتحدَّثُ بحكمةٍ، وتخبرُ الجميعَ أنَّها مرآةٌ تعكسُ ما في النفوسِ، وتعلِّمُهم أنَّ الطيبةَ، وحسنَ معاملةِ الآخرين، هما سبيلُ السعادةِ الحقيقيةِ. وحتى بعد اختفائِها، بقيت آثارُها الجميلةُ في قلوبِ الحيواناتِ والطفلِ الذي عثرَ عليها.

أمَّا القصةُ الأخيرةُ، «الكتابُ الذي يختارُ قارئَه»، فتأخذُنا إلى مكتبةٍ في وسطِ المدينةِ تضمُّ كتبًا كثيرةً، من بينها كتابٌ وُضع على رفٍّ بلا عنوانٍ، فأثارَ فضولَ طفلٍ يحبُّ القراءةَ كثيرًا. ومن هنا تبدأُ العلاقةُ السحريةُ بين الطفلِ والكتابِ، فتقودُه صفحاتُه إلى عالمٍ جديدٍ مليءٍ بالمواقفِ الغريبةِ والجميلةِ، حيث يُقدِّمُ المساعدةَ للجميعِ، حتى يتبيَّنَ أنَّ الكتابَ قد اختارَه؛ لأنَّه وجدَ فيه قلبًا طيبًا، وشغفًا صادقًا بالقراءةِ.

ومن خلالِ ما تقدَّم، نجدُ أنَّ مجموعةَ «مملكةِ الأحلامِ الصغيرةِ» تحملُ فكرًا تربويًّا هادفًا، وتحثُّ على فعلِ الخيرِ، وتقديمِ المساعدةِ للآخرين، من خلالِ أبطالِها، سواءٌ أكانوا أطفالًا أم حيواناتٍ. وقد جاءَ المغزى من كلِّ قصةٍ إيجابيًّا، يسعى إلى غرسِ قيمِ المحبةِ والسلامِ في نفوسِ الأطفالِ.

امتازتِ القصصُ بحبكةٍ جميلةٍ وسلسةٍ، تناسبُ الفئةَ العمريةَ المستهدفةَ، فجاءت أحداثُها متسلسلةً ومنطقيةً، تشدُّ انتباهَ الطفلِ، ولا تمنحُه فرصةً للشعورِ بالمللِ.

وكانت معظمُ الشخصياتِ واقعيةً، بينما أضفى الخيالُ في بعضِ القصصِ لمسةً جميلةً ومحبَّبةً، دون أن يبتعدَ عن لغةٍ تناسبُ الأطفالَ.

كما جاءتِ الرسوماتُ جميلةً، ومكمِّلةً للنصوصِ، وكانت الألوانُ زاهيةً ومناسبةً للأطفالِ، وتساعدُهم على فهمِ الأحداثِ، وأعتقدُ أنَّ اللونَ الأزرقَ كان الأكثرَ حضورًا بينها.

وفي نهايةِ كلِّ قصةٍ، برزَ هدفٌ تربويٌّ واضحٌ، محفِّزٌ ومفيدٌ، يشجِّعُ الأطفالَ على اكتسابِ السلوكياتِ الإيجابيةِ التي تنفعُهم في حياتِهم.

لقد استمتعتُ كثيرًا بقراءةِ هذه المجموعةِ، التي أعادتني إلى هوايتي منذُ الصغرِ، حين كنتُ أدَّخرُ مصروفي اليوميَّ لأشتري به قصةً جديدةً، وأضيفَها إلى مكتبتي الصغيرةِ.

إنَّ قصصَ الأطفالِ ليست مخصَّصةً للأطفالِ وحدَهم، بل أعتقدُ أنَّ في داخلِ كلِّ واحدٍ منَّا طفلًا يحاولُ أن يخرجَ بين الحينِ والآخرِ، ليُمارسَ هواياتِه، ويستعيدَ ذكرياتِ الطفولةِ والبراءةِ.

وأخيرًا، أنصحُ جميعَ الآباءِ والمعلِّمينَ بأن يُشجِّعوا أبناءَهم على قراءةِ مثلِ هذه القصصِ؛ لنبنيَ معًا جيلًا مثقَّفًا وواعيًا، يسهمُ في بناءِ الوطنِ. كما أتقدَّمُ بالشكرِ إلى الكاتبةِ على جمالِ الأسلوبِ، وسلاسةِ اللغةِ، وروعةِ الرسوماتِ التي أضفت على المجموعةِ مزيدًا من الجاذبيةِ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology