بحثتُ عن نفسي فلم أجدني




بقلم  هيا برماوي


رأيتني أقبل من بعيد، كنتُ طفلةً أمسكت بيدي. ارتعشت أطرافي من الخوف، وتلفّتُّ حولي فلم أجد أحدًا. تابعتُ طريقي مع نفسي، وكانت الساعة تشير إلى منتصف الليل. لم أتفوّه بكلمة؛ خطواتي ثقيلة متعبة، ولا أدري إلى أين أمضي. كان الضباب يلفّ المكان، أو لعلّه تشويش في رؤيتي، لا أعلم.


بدأت الرؤية تتّضح شيئًا فشيئًا. عرفتُ هذه الحارات جيدًا، وخفق قلبي بقوة كلما اقتربت أكثر. وبعد مسيرٍ طويل، وجدتني أقف أمام منزلٍ مهجور. وما إن اقتربتُ منه حتى اشتعلت أنواره فجأة، كأنه كان ينتظرني.


تساءلت: هل أنا في حلم؟

إنه منزل طفولتي.


انفتح الباب مُصدرًا صريرًا خافتًا، ودخلتُ بخطوات قلقة. حين توسطتُ الحديقة، التفتُّ حولي فرأيت الأرجوحة التي كنا نلعب بها أنا وإخوتي. انهمرت دموعي رغمًا عني، ومع ذلك واصلتُ السير.


دخلتُ غرفة المعيشة، فوجدتها كما هي، كما تركناها. أشياؤنا تملأ المكان، دافئة وقريبة، تفوح منها رائحة ماضٍ جميل لا يشبه الحاضر. انتقلتُ إلى المطبخ؛ الأطباق ما زالت في مكانها، وأكوابنا الملوّنة لم تغادر الرف. أمسكتُ أحدها، قلّبتُه بين يديّ، كأنني أفتّش فيه عن أثر أصابعي القديمة.


عدتُ إلى غرفة المعيشة، ثم توجهتُ إلى غرفة نوم أبي وأمي. احتضنتُ تفاصيلها بصمت، كأنني أحتضن زمنًا كاملًا لا غرفة. بعدها دخلتُ غرفة نومنا، أنا وإخوتي؛ كل شيء كما كان. دميتي التي أحبها ما زالت فوق سريري، ودمى إخوتي تملأ أرجاء الغرفة. توجهتُ إلى مكتبتي، فوجدتها كما هي، تحمل على رفوفها أجمل القصص والحكايات، غير أن الغبار غطّاها بالكامل، كأنه تراكم السنوات لا الإهمال.


رفعتُ رأسي، فرأيتني.

رأيتُ نفسي وأنا طفلة، أركض نحو باب الخروج وأشير إليّ لأتبعها. مدت يدها، فأمسكتُ بها، وخرجنا معًا.


سرنا بسرعة حتى ابتعدنا عن ذلك المكان. عاد الضباب يحيط بنا من جديد، فأفلتت نفسي يدي. وحين انقشع الضباب ، وجدتُ نفسي في عالمٍ آخر؛ عالمٍ غريب لا يشبهني.


أدركتُ أن سنوات الطفولة قد مضت، وأنني تجاوزتها، رغم أن قلبي تمنّى لو بقي هناك، بين أمي وأبي وإخوتي. لم يرق لي هذا العالم. بحثتُ عن نفسي فلم أجدني.

لم أكن أبحث عن الطفولة…

كنتُ أبحث عمّا تبقّى مني بعد أن كبرت.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology