مونودراما: «اعترافات ناجٍ من المداهمة»



تأليف: بلعربي خالد


المشهد

رجل وحيد على خشبة المسرح.

إضاءة خافتة تميل إلى الزرقة.

كرسي خشبي في منتصف الخشبة.

الرجل جالس، يضع يده على جبينه، يبدو كأنه ناجٍ من كارثة عظيمة.

صمت طويل.

يرفع رأسه ببطء، وينظر إلى الجمهور.

الرجل:

كنت أعلم…

نعم… كنت أعلم أن تلك الليلة لن تمرّ بسلام.

وصلتني المعلومات قبل غروب الشمس.

(ينظر حوله بحذر)

كانت معلومات استخباراتية خطيرة… خطيرة جدًا.

كانوا يخططون لمداهمة القرية.

(يتوقف، ثم يقترب من الجمهور)

جلسوا في الظلام… يضعون خططهم الجهنمية، يوزعون الأدوار بدقة عسكرية:

هذا يهاجم الأذن…

وذاك يتسلل إلى العنق…

وآخر يتخصص في الكاحل!

(بإعجاب وخوف)

كانوا منظمين أكثر من أي ميليشيا رأيتها في حياتي!

(يصمت لحظة، ثم يخرج ورقة وهمية من جيبه)

ولم يكتفوا بذلك…

لقد أرسلوا جواسيس جوية!

نعم… جواسيس جوية!

تسللت داخل البيوت، وحلّقت فوق الرؤوس، وجمعت أدق المعلومات:

عدد أفراد كل بيت…

نوع المعيشة…

أماكن النوم…

مخازن المؤن…

وحتى الأماكن التي يختبئ فيها الناس عند الطوارئ!

(يرسم بيده في الهواء)

لقد رسموا خرائط دقيقة للمنافذ والمداخل والمخارج…

درسوا كل شيء…

كل شيء!

(بصوت عسكري)

وكان الهدف من كل هذه المعلومات…

اختيار الوقت المناسب للمداهمة.

خطة جيوستراتيجية محكمة!

خطة حربية متكاملة!

خطة لا تنفذها إلا جماعة خطيرة…

خطيرة جدًا!

(يتوقف، ثم يهمس)

وحسب التقارير الواردة من أجهزة الاستخبارات…

كانت المداهمة ستتم في الليل…

في ساعة النوم…

في اللحظة التي يكون فيها الإنسان أعزل…

مستسلمًا…

بين اليقظة والغفوة…

بين الحياة والموت!

(يصمت فجأة، ثم يلتفت إلى جهة بعيدة)

وهذا ما صرّحت به أجهزة…

(يتلعثم)

أجهزة… أنسكت…

(يتدارك نفسه)

أجهزة الاستخبارات!

(صمت قصير)

ثم بدأت المداهمة.

(تتغير الإضاءة قليلًا، ويعلو صوت طنين خافت)

يا الله!

لم يتركوا أحدًا!

لا أطفال…

لا نساء…

لا شيوخ…

الجميع كان هدفًا!

الكبير والصغير…

الغني والفقير…

النائم والمستيقظ!

كانوا يهاجمون بلا رحمة!

أصوات الطنين كانت كالرصاص!

غارات جوية على كل بيت!

هجمات من كل الاتجاهات!

من النافذة!

من الباب!

من تحت السرير!

(يتلفت مذعورًا)

حتى إن واحدًا منهم دخل في أذني!

(يضع يده على أذنه ويصرخ)

وما زال صوته يرنّ فيها إلى اليوم!

(يعود إلى نبرة الراوي العسكري)

حاولنا المقاومة.

البعض أشعل البخور…

والبعض الآخر احتمى بالبطانيات والأغطية…

لكن العدو كان متطورًا.

كان يعرف كيف يخترق الدفاعات!

(بفخر)

أما أنا…

فكنت في الصفوف الأمامية.

نعم… في الصفوف الأمامية!

(يمسك شيئًا وهميًا كأنه سلاح)

ألوّح بالمبيد…

كأنه بندقية رشاشة!

رشّة إلى اليمين!

رشّة إلى اليسار!

رشّة فوق الرأس!

ورشة… احتياطية!

(يتوقف فجأة)

لكن المعركة كانت شرسة.

طويلة.

مريرة.

لا أحد يعرف من سينتصر.

كنت أسمع صرخات في كل مكان:

«اضربه!»

«أين ذهب؟»

«لقد اختفى!»

«إنه خلفك!»

(يلتفت بسرعة خلفه)

أين؟!

(يصمت، ثم يتنفس بارتياح)

لا… لا شيء.

(يعود إلى الجمهور)

استمرت المعركة حتى ساعات الفجر.

لكننا صمدنا.

نعم… صمدنا!

وفي النهاية…

انتصرنا!

(يرفع يديه منتصرًا)

انتصرنا عليهم!

كانت أرض المعركة مليئة بالجثث الصغيرة…

جثث متناثرة على الجدران…

وعلى الأرض…

وفي زوايا الغرفة…

(ينظر إلى يديه بتأثر)

كان نصرًا عظيمًا.

نصرًا لن أنساه ما حييت.

(يصمت طويلًا، ثم يبتسم)

والآن…

وأنا أروي لكم هذه الاعترافات…

أضحك من نفسي.

كل ذلك الرعب…

كل تلك الخطط…

كل تلك المعلومات الاستخباراتية…

كل تلك الخرائط…

كل تلك الغارات الجوية…

لم تكن سوى…

(يقترب من الجمهور ويهمس)

حرب مع الناموس.

(صمت)

نعم…

حرب مع الناموس!

حرب عبثية…

لكنها كانت حقيقية.

حرب جعلتني أفهم معنى الخوف…

ومعنى الشجاعة…

ومعنى التضحية…

ومعنى النصر…

حتى لو كان العدو…

(ينظر إلى الأرض)

حشرة صغيرة.

(يبتسم، ثم يسمع طنينًا مفاجئًا)

ها هو!

(يتجمد في مكانه)

لا تتحركوا!

(ينظر حوله برعب)

إنه هنا!

(يهمس)

إنه يراقبنا…

لقد عاد!

(يصرخ)

أغلقوا الأبواب!

أطفئوا الأنوار!

أين المبيد؟!

(يخرج مسرعًا، ثم يعود لحظة)

لقد نسيت أن أقول لكم…

(بجدية تامة)

الحرب لم تنتهِ بعد.

إظلام تام.


إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology