قراءةٌ نقديّةٌ في قصّةِ «زُوّارِ اللَّيلِ»

 


بقلمِ الكاتبةِ رزان الرابي 

في قصّةِ «زُوّارِ اللَّيلِ» يبرهنُ الكاتبُ رحال أمانوز على امتلاكِ حسٍّ سرديٍّ قادرٍ على تطويعِ الخيالِ في خدمةِ الأدبِ، إذ ينسجُ نصًّا يفيضُ بالغموضِ والتشويقِ، ويمنحُ القارئَ مساحةً واسعةً للتأمّلِ في المجهولِ، دونَ أن يفقدَ النصُّ توازنَهُ الفنّيَّ أو جاذبيّتَهُ السرديّةَ.

ويُحسَبُ للكاتبِ أنّهُ لم يجعلِ الحدثَ الغريبَ غايةً بحدِّ ذاتهِ، بل حوّلَهُ إلى بوّابةٍ للدخولِ في أعماقِ النفسِ الإنسانيّةِ، حيثُ الخوفُ، والدهشةُ، والشكُّ، وتلكَ الأسئلةُ التي تظلُّ عالقةً في الوجدانِ كلّما واجهَ الإنسانُ ما يتجاوزُ حدودَ إدراكِهِ. وهنا تتجلّى قيمةُ النصِّ؛ إذ يرتقي من مجرّدِ حكايةٍ خياليّةٍ إلى رؤيةٍ إنسانيّةٍ ذاتِ أبعادٍ نفسيّةٍ وفلسفيّةٍ.

كما يكشفُ رحال أمانوز عن قدرةٍ متميّزةٍ في إدارةِ الإيقاعِ السرديِّ، فلا تتسارعُ الأحداثُ على حسابِ الفكرةِ، ولا تتباطأُ بما يُرهقُ القارئَ، بل تسيرُ بانسيابيّةٍ تجعلُ التشويقَ حاضرًا من الاستهلالِ حتى الخاتمةِ. وقد أسهمَ هذا البناءُ المتقنُ في ترسيخِ حالةِ الترقّبِ، ليبقى القارئُ مشدودًا إلى مصيرِ الشخصيّةِ الرئيسةِ، ومتطلّعًا إلى اكتشافِ الحقيقةِ.

ومن الجوانبِ اللافتةِ في القصّةِ نجاحُ الكاتبِ في توظيفِ الغموضِ بوصفِهِ عنصرًا جماليًّا، لا وسيلةً للإبهامِ؛ فقد ظلَّ المجهولُ حاضرًا في ثنايا النصِّ، دونَ أن يفقدَ القارئُ خيطَ المتابعةِ، وهو ما يعكسُ وعيًا بطبيعةِ القصّةِ الحديثةِ التي تفتحُ أبوابَ التأويلِ، وتمنحُ المتلقّيَ دورًا في استكمالِ المعنى.

وتكشفُ لغةُ الكاتبِ عن ميلٍ واضحٍ إلى التصويرِ، حيثُ تتآلفُ المشاهدُ السرديّةُ لتمنحَ النصَّ طابعًا بصريًّا حيًّا، فيبدو وكأنّهُ يُعرَضُ أمامَ القارئِ في مشاهدَ متتابعةٍ. وهذهِ السمةُ تضفي على القصّةِ حيويّةً خاصّةً، وتعكسُ قدرةَ الكاتبِ على استثمارِ الصورةِ في خدمةِ الحدثِ.

إنَّ «زُوّارَ اللَّيلِ» تؤكّدُ أنَّ رحال أمانوز يمتلكُ مشروعًا سرديًّا جديرًا بالاهتمامِ، وأنّهُ من الأصواتِ التي تعرفُ كيفَ تمزجُ بينَ الخيالِ والإبداعِ، وبينَ التشويقِ والفكرةِ، لتقدّمَ نصًّا يلامسُ عقلَ القارئِ ووجدانَهُ في آنٍ واحدٍ. إنّها قصّةٌ تحملُ بصمةَ كاتبٍ يؤمنُ بأنَّ الأدبَ الحقيقيَّ لا يكتفي بإمتاعِ القارئِ، بل يدفعُهُ إلى إعادةِ النظرِ في المسلّماتِ، وطرحِ الأسئلةِ التي لا تنتهي.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology