حوار مع الشَّاعر الدكتور حسام اللحَّام حول ديوان" خوارزميّة الرّوح"

 


حاوره: منذر اللالا

    نحن اليوم أمام تجربة شعرية تتجاوز سؤال التقنيّة إلى سؤال الإنسان نفسه؛ ففي ديوان «خوارزميّة الروح» لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرَّد أداة، بل صار شريكا في مغامرة جماليّة تؤكِّد قدرة الشعر على تحويل الخوارزميّة إلى رؤيا، والمعرفة إلى تجربة إنسانية نابضة.

    وفي هذا الفضاء لا تبدو التقنيّة نقيضًا للروح؛ فـ«الطين ليس عدوّ النور، بل صديقه الخفي». ومن هنا تتفتَّح النصوص على أسئلة المعرفة والكينونة، حيث «تتساقط الأسئلة كزهرة بريّة، وتزهر الإجابات دون أن تُقال»، في رحلة تذكّرنا بأنّ «لا أحد يكتمل»، وأنّ البحث عن المعنى هو جوهر التجربة الإنسانية.

    إنّها تجربة تعيد تأمّل العلاقة بين الحدس والخوارزميّة، وبين الإنسان والعالم، مؤكّدة أنّ الشعر ما يزال قادرا على اكتشاف آفاق جديدة للدهشة والمعنى.

استنطاق الشاعر الظل

    يسعدنا أن نتحاور اليوم مع الدكتور حسام  الشاعر الباحث، الذي خاض في «خوارزميّة الروح» مغامرة إبداعية فريدة، متقمِّصا دور «الشاعر الظل» الذي يقود الخوارزميّة ويوجّه أسئلتها.

    لقد استطاع أن يحوِّل الحوار مع الآلة إلى حوار مع الذات والوجود، مختزلا فلسفة الديوان في عبارة بليغة: «الجسد آلة، والروح هي اللحن». ومن هذا الأفق تنبثق نصوص ترى أنّ «السقوط ليس انكسارا، بل ولادة صامتة ترفض الظلام»، وتدعو إلى أن «تتعلّم القلوب أن تتّسع، وأن تتجاوز صمتها».

    في هذا الحوار سنقترب من كواليس هذه التجربة الفريدة، ونستكشف مع ضيفنا العلاقة بين الشعر والذكاء الاصطناعي، وبين الخوارزميّة والروح.

ضِمْنَ أيّ صنف يندرج ديوان خوارزميّة الرُّوح: أهو شعر إنسانيّ، أم آليّ؟

    إذا كان المقصود بالسؤال تحديد طبيعة العمل بناءً على ما تمَّ في الواقع، أمكنني ذلك من تصنيف الدّيوان ضمن مسمَّى(آنِسِيّ) أي إنسانيّ/ آليّ؛ فقد كان المحرّك الأوّل هو الإنسان/ الشَّاعر الذي رسم الطريق، واستكمل البناء الشعريّ خطوة خطوة، مُعتمِدًا على التَّوليد الآليّ الأوّليّ، وعلى استجابةِ الآلة للتَّوجيهات والتَّعديلات. وما كان لهذا الديوان أن يظهر على النَّحو الذي خرج به لولا التآزُر بين الجانبين، كُلًّا وفق إمكاناته. ولكن، إذا أردثُ تصنيفه وَفقا لطبيعته الجماليّة- بصرف النّظر عن مُنشئه- وجدتُّه شعرًا إنسانيًّا مُفعمًا بالرُّؤى والمواقف.

إذا كان العمل في الواقع- كما وصفتَه(آنسيّ)؛ يحضر فيه الشَّاعر ولا تُعَدُّ الآلة فيه مؤلّفًا- فما دَورُك فيه؟ وماذا تُسمِّي نفسك؟

    ثَمّة تسميات يمكن إطلاقها في هذا السِّياق، منها تلك التسميات التي اقترحها الناقد المرموق الأستاذ الدكتور  ناصرشبانة: "الشاعر الظِّل، المُشغِّل، المدير". ولا أستبعدّ أيًّا من تلك التّسميات؛ فهي كلّها تصدق على وصف مُنشِئ نصوص الدّيوان؛ إذ ليس في مُكنة غير الشاعر أن يبني تلك النّصوص المكتظّة بالدّلالات والإيحاءات، وهو نفسه يتخفَّى وراء الآلة ويكتنه إمكاناتها ويُحدِّد اتّجاهاتها، وهو كذلك مَنْ يتخيّر مفرداتها ويبني تراكيبها ويُشكّل صورها ويحدِّد إيقاعاتها. 

    على أنّني- رغم تَقبُّلي لتلك التّسميات- أجد أنّ ثَمَّة تَسمية أصدق تعبيرًا عن جوهر المهمّة التي نَهضتُ بها في هذا الدِّيوان؛ هي(المُهَنْدِس الجَماليّ) فهي تحيل إلى ذات مُنتِجة لبناء منظَّم، يخضع للتّصميم، واستخدام تقنيّات محدّدة، منها: تقليب المادّة، وابتكار التَّوازنات والأنماط.

كيف توازن بين تجلّي مفهوم موت المؤلِّف الذي يحضر في مقدّمة الديوان، وعودة المؤلّف في صورة مُعْلَنٍ عنها، بوصفه صاحب الرُّؤية والموجّه الأسلوبي. 

    مقدّمة الدِّيوان كتبها النّاقد (ناصر شبانة) وهو الذي نبَّه على حضور هذا المفهوم (البَارْتيِّ) عند مقاربته للديوان؛ ومردّ ذلك عنده اعتقاده الرَّاسخ بأنّ النَّص وحده هو ملاذ النَّاقد ومجال عمله، وما دون ذلك لا قيمة له في نقد النصّ. ولعلّ الحضور المتجلّي لهذا المفهوم هنا تُسوِّغه طبيعة الديوان الهجينة التي تَحول دون الجزم بحقيقة مؤلّفه؛ أهو الشاعر البشري، أم الألّة؟ وهو ما لا نجده في الدواوين والنصوص البشريّة الخالصة، التي تحمل أسماء مؤلّفيها من البشر.

    ولا يُنظر- طبقا لهذا المفهوم- إلى المؤلّف ولا يؤخذ بعين الاهتمام؛ فقد يُحلّل النَّاقد نصًّا للمتنبّي أو نصًّا لمحمود درويش، أو نصًّا لشاعر ما يزال يعيش بيننا، حَسب مفهوم موت المؤلِّف. 

كيف ارتفعتَ باللغة المولَّدة رقميًّا إلى فضاء شعريّ مُنسجم ومتماسك، وذي هويّة؟   

    لم تكن محاولتي لبلوغ هذه المرحلة من الشِّعرية عسيرةً؛ إذ انطلقتُ فيها من خبرة جماليّة تعمَّقتْ خلال السّنوات الطَّويلة؛ من خلال البحث الأكاديميّ والقراءة والكتابة، وكانت العناصر الشعريّة حاضرة في الذَّاكرة، وكنتُ أتقصّى أعلى درجات التّحقّق الشِّعريّ(إن جاز التَّعبير) في كل نصّ أُنشئه.

في قصيدة" نشيد الكينونة" يظهر الإنسان بين الطِّين والنُّور، وبين النَّقص والحنين، كيف وجّهت الذكاء الاصطناعيّ إلى هذه الجدليّة، شِعْرًا؟

    ينشأ البناء الشعريّ من ائتلاف مختلف العناصرالشِّعريّة، وعلى رأسها الصورة والإيقاع بشتّى أنماطهما، ويكون ذلك- عندي- هو الأساس الذي عليّ أن أُبلور من خلاله الموقف إزاء الوجود والموجودات. وأحاول جاهدًا في كل نصٍّ أن أبلغ أعلى درجات الشعريّة؛ انسجاما مع هذه النَّظرة إلى الشِّعر، ولا يُغيّر المضمون أو الموضوع من ذلك شيئا. ولعلّ ما تتّسم به قصيدة "نشيد الكينونة" استغراقها المتأمِّل والعميق في أصل الإنسان ووجوده من وجهة نظرة مؤمنة، تتعلّق بسماويّة هذا الكائن وتُرابيّته وانشداده لكليهما؛ بوضعه أمام صورته الأولى؛ إذ يقف فيها ناقصا، متسائلا ، يبحث عن ذاته؛ وذلك كلّه في لغة شعريّة تكتنز بالتقابل، والتصوير الاستعاري، والرمز، والتكرار، والتوازن الصوتي،...دون أن تنزلق إلى المباشرة والتَّسطيح. 

في قصيدة" كتاب الأرض المنسيَّة" تظهر رموز الخيانة والخراب: ابن العلقميّ، يهوذا، سالومي...، هل يمكن للذَّكاء الاصطناعي أن يلامس وعيا قوميًّا؟ 

    لا، الذَّكاء الاصطناعيّ ليس إلا برنامجًا يُلقَّن ما يجب عليه فعله، ولا يُنشئ شعرًا من تلقاء نفسه، وليس هو ذاتًا يُعبِّر عنها، وإنّما  نلقِّنه المضمون الذي نريده والإيقاع الذي يستجيب به لِما نأمره به؛ ومن ثَمَّ نشأت الأسماء/ الرّموز، وتجسَّد الوعي القوميّ الذي يقصده السُّؤال؛ وهذا الوعي ناجم عن وعي الشاعر/ المهندس الجماليّ، الذي هندس اللغة المشحونة بتلك الرُّؤيا الملحوظة في القصيدة.

هل ترى بناء الشعر الجماليّ في الدِّيوان قد تحرَّر من سجن الإيقاع النَّمطي لصالح أجنحة الشعريَّة الخالصة؟

    يتضمّن هذا السؤال مصادرة واعتقادًا مضادًّا لما أراه في هذه المسألة إذا كان المقصود بـ(سجن الإيقاع النّمطي) الوزنَ العروضيّ/ الخليليّ؛ فهو- بهذا- يعلن عن انحياز تامٍّ لقصيدة النَّثر، دون قيود أو شروط تستدعي القارئ إلى تمثّلها عند الحكم على (الشعر الموزون، وقصيدة النَّثر).

    ولا ريب في أنّ قصيدة النّثر تُعدّ تطوّرا طبيعيًّا للشعر العربيّ في الرّؤيا والتشكيل. ولكنّ ذلك لا يعني تفوّق شكل على شكل؛ إنّما المقصود هنا مواكبة التغيّرات التي تقتضيها حركة الإنسان في الزّمان والمكان، أمّا التفوّق(الشِّعري) فلا يُوزن بهذا التَّحديد، بل بمقدار ما يتحقّق في النَّص من شعريّة مشحونة بالرُّؤيا الإنسانيّة، ولا فرق هنا بين شكل وشكل، أو قديم و حديث.

     إنّ سبب اختياري لكتابة قصيدة النّثر بالذَّكاء الاصطناعي كامن في الطَّاقة الشِّعريّة التي يمكن توليدها من هذا البرنامج؛ وهو ما أدركتُ افتقار البرنامج إليه في الشعر الموزون، حتّى هذه اللحظة على الأقل. لقد بذلت جهدًا كبيرًا في بناء نصوص موزونة؛ سواء على مستوى المحاكاة أو الإبداع، فلم أظفر بما يشجّعني على الاستمرار؛ لأنّ النّاتج الشعريَّ كان عاديًّا ولا يمكن موازنته بالنُّصوص العالية في شعرنا العربي.

    أمّا بناء القصائد النثريَّة فهو متاح بشكل أوسع وأعمق، وتتحقّق شعريّة البناء   عبر  كفاءة  المهندس الجماليّ في الاختيار والتأليف، ومدى صبره على تقصّي الإمكانات التي ينضمّ عليها الذّكاء الاصطناعي؛ وهي تبدو كأنّها بلا نهاية وبلا حدود.

أين تكمن البصمة الإنسانيَّة:  في نص مولَّد آليًّا، أم في التَّعديل الأخير؟

     تكمن في كلّ تعديل، ولا سيّما التَّعديل الأخير. إنّ الألة تجود بالنّسخة الأولى، حسب الطّلب، ولكنّ هذه النّسخة- في الأغلب- تبدو باهتة، باردةً، جافّة، تُجسِّد سماتِ الآلة، ولا تصلح أن تكون نصًّا شعريًّا جديرًا بالقراءة والنّقد. ويمكن للخبرة الجماليّة(الإنسانيّة) في هذا الميدان، أن تُسعِفَ في تطوير النُّسخة الأولى، إلى درجة تُطوى بعدها هذه النسخة، ولا يبقى لها أثر. هذا ما جرّبته عَمَلًا لا ظنَّا أو تقديرًا؛ كنتُ- أحيانا- أنشئ للنصّ الواحد  عشر نُسَخ، وكان ذلك يجعلني حائرًا في اختيار النُّسخة المُثْلَى، ولعلّك تعجب حين تعلم أنّ عشرات النّصوص قد تجمّعت بين يديّ، وكان عليّ أن أختار منها؛ كي أتجنبّ التّشابه الذي قد يُلحظ في النُّصوص المنبثقة من نواة واحدة.

    وقد ذكرتُ في الإجابة عن سؤال سَبَق وروده أنّ كتابة القصيدة النَّثريّة-  بالذَّكاء الاصطناعيّ- تخضع لشرطين متلازمين: الأوّل: القدرة على التَّوجيه/ التَّعديل(الاختيار والتأليف)، والثَّاني: الصَّبر الطَويل على ذلك؛ على معنى أنّ القصيدة يمكن أن تتحقّق شعريّتها المقصودة في النُّسخة السابعة، أو العاشرة،...أو الخامسة والعشرين،...وهذا يعني أنّ التّعديل الأخير غير مشروط بحدٍّ معيّن من النُّسخ، وقد يقع المهندس الجماليّ في حالة من الإحباط والحزن؛ لعجزه عن تحقيق أقصى طاقة شعريّة يمكنه بلوغها ممّا يتوفّر في الآلة من إمكانات متاحة، ولكنْ يقف دون تحقيق ذلك ما يصيب المهندسَ من تعَب وسَأَم يدفعانه إلى القبول بنسخة يعلم هو أنّ في الإمكان إنتاج نسخة أجود منها. 

أنحنُ إزاء: أنسنة الآلة، أم رقمنة الرُّوح؟

    نحن أمام  سؤال معرفيّ ثقافيّ: كيف نجعل الآلة خادمةً للإنسان، لا قوّة تستدرجه إلى دهاليز المَكْنَنَة والتَّبلّد؟

    ولا مجال للهَرب من واقع بات مفروضًا فَرْضًا، ولا بدّ من الإفادة من كلِّ الإمكانات المتاحة، واستثمار كافّة القدرات والوسائل؛ لتطويع الآلة وتوابعها؛ كي تظلَّ تحت السَّيطرة والتَّوجيه، ولا يُجدينا التّعامي والتَّغافل عمّا يُحيط بنا من كلّ جانب.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology