سَيِّدَةُ الظِّلِّ وَالنَّوَارِسِ



بِقَلَمِ: الدُّكْتُورِ فَيْصَل سَعُودِي


أَنْتِ لَسْتِ هُنَا، وَلَا هُنَاكَ.

أَنْتِ بَيْنَهُمَا،

فِي الْمَسَافَةِ الَّتِي تَتَرَدَّدُ فِيهَا الْأَشْيَاءُ بَيْنَ الْقَبُولِ وَالرَّفْضِ.

أَنْتِ الصُّورَةُ الَّتِي تَأْبَى أَنْ تَنْطِقَ،

وَتَصْمُتُ حُرُوفُهَا، فَتَمْتَلِئُ الدُّنْيَا بِالصَّمْتِ.


أَرَى شَعْرَكِ، يَا سَيِّدَتِي،

هَلْ هُوَ الْمَوْجُ أَمْ سَنَابِلُ حِنْطَةٍ لَا تَخَافُ الْجَفَافَ؟

يَتَدَلَّى عَلَى كَتِفَيْكِ كَمَا يَتَدَلَّى الْمَسَاءُ فَوْقَ آخِرِ نَخْلَةٍ فِي غَزَّةَ.

يُحَرِّكُ الْهَوَاءُ خُصَلَاتِهِ،

فَيُسْمِعُنِي صَوْتَ الْبَحْرِ الْعَتِيقِ،

صَوْتَ مَنْ يَغْرَقُونَ وَلَا يَمُوتُونَ.


عَيْنَاكِ نِصْفُ مُغْلَقَتَيْنِ..

نِصْفُ حُلْمٍ، وَنِصْفُ يَقَظَةٍ،

نِصْفُ حَيَاةٍ، وَنِصْفُ مَنْفَى.

كَأَنَّكِ لَا تُرِيدِينَ أَنْ تَشْهَدِي هَذَا الْعَالَمَ،

فَتَكْتَفِي بِمُشَاهَدَةِ غُبَارِ الْأَيَّامِ الَّذِي يَتَسَاقَطُ عَلَى كَفِّكِ،

لِيَتَحَوَّلَ إِلَى وَطَنٍ.


أَيَّتُهَا الْمَرْأَةُ الَّتِي لَا تُشْبِهُ النِّسَاءَ،

أَنْتِ قِيثَارَةٌ حَزِينَةٌ عَزَفَهَا النِّسْيَانُ،

أَنْتِ الْقَصِيدَةُ الَّتِي لَمْ تُكْتَبْ بَعْدُ،

لِأَنَّ الْحُرُوفَ لَا تَزَالُ تَرْتَجِفُ مِنْ هَيْبَتِكِ.


أَنَا الَّذِي أُحِبُّكِ، لَسْتُ الشَّاعِرَ.

أَنَا الصَّفْحَةُ الْبَيْضَاءُ الَّتِي تَنْتَظِرُ طَبْعَ بَصَمَاتِ أَصَابِعِكِ.

أَنَا الْعُشْبُ الَّذِي يَطْمَئِنُّ حِينَ تَمْرِّينَ فَوْقَهُ، وَإِنْ لَمْ تَلْتَفِتِي.


حِينَ أَكْتُبُ عَنْكِ، لَا أَكْتُبُ عَنِ امْرَأَةٍ،

بَلْ أَكْتُبُ عَنْ زَمَنٍ تَوَقَّفَتْ فِيهِ عَقَارِبُ السَّاعَةِ احْتِرَامًا لِجَمَالِكِ.

أَنَا أَعْرِفُ أَنَّكِ سَتَرْحَلِينَ، كَمَا يَرْحَلُ الْمَاءُ، وَكَمَا يَرْحَلُ الصَّبَاحُ،

لَكِنَّنِي سَأَبْقَى هُنَا، أَرْسُمُكِ، أَحْلُمُكِ، وَأَسْمَعُ أَصْدَاءَ شَعْرِكِ يَتَرَدَّدُ فِي غُرْفَتِي الْفَارِغَةِ.


مَا أَجْمَلَ أَنْ نَلْتَقِيَ فِي هَذَا الْخَرِيفِ، يَا حَبِيبَتِي،

حَتَّى لَوْ كَانَ الطَّرِيقُ مُعْتَمًا،

فَحُضُورُكِ هُوَ مَا يُسَمِّيهِ النَّاسُ: وَطَنًا.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology