منعطف خاطئ (نهاية الطريق)

 


 الكاتبة هيا برماوي


خرجتُ من المنزل على عجلةٍ من أمري، أحمل حقيبتي على ظهري.

تعثرت قدمي وأنا في طريقي إلى سيارتي، فتأوهتُ من الألم ووقفتُ قليلاً أتلفت حولي.

لم يكن هناك سوى صوت خشخشة أوراق الشجر؛ تنهدتُ وقلتُ في نفسي:

"سيكون هذا اليوم شؤماً، أشعر أنه لن يمضي على خير بالتأكيد، فتعثري هذا ليس بفأل خير".

زفرتُ بضيق ودخلتُ سيارتي، أدرتُ المحرك وتوجهتُ إلى صديقتي عبير، ثم انطلقنا واصطحبنا حاتم وأحمد معنا كان الجميع متحمسًا لقضاء عطلة نهاية الأسبوع في الفندق الجبلي الذي سمعنا عنه كثيرًا، وسط غابة بعيدة لا تصلها ضوضاء المدن

لم أكن موافقةً على اقتراح أصدقائي بأن يذهب كل واحد بسيارته الخاصة، ولا أدري لماذا أصررتُ عليهم بشدة أن نبقى جميعنا معاً في سيارتي.

تبادلنا أطراف الحديث وتناولنا بعض الأطعمة، تناقشنا كثيراً وضحكنا كثيراً، وبعد قرابة الساعتين كنا قد توغلنا في أعماق الغابة.

فجأة... وقعت عيناي على جهاز الملاحة  الـ GPS، فرأيته قد توقف عن العمل تماماً!

ارتعشت أطرافي في تلك اللحظة، وتجمدت يدي فوق المقود شعرتُ بأن نبضات قلبي تتسارع 

بشكل جنوني.

انتبه إليّ حاتم، فاقترب بسرعة وقال بقلق: "ليلى، هل هناك شيء؟ هل تعانين من خطب ما؟".

أوقفتُ السيارة وأنا أحدق في الشاشة دون أن أنطق بكلمة. نظر حاتم إلى الجهاز وشهق بصدمة.

سرعان ما بدأ بقية الأصدقاء يثرثرون ويتكلمون بذعر، بينما كنتُ أشعر أن أصواتهم تبتعد ولم أعد أستطيع سماع شيء، فضربتُ بيدي بقوة على مقود السيارة وصرختُ فيهم:

"اصمتوا قليلاً! علينا أن نجد حلاً!".

 أحمد: كم يبعد هذا الفندق الآن؟

 قلتُ بنبرة حائرة: لا أدري، لقد أخبرونا أن الطريق يستغرق مسافة ثلاث ساعات ونصف من منطقتنا، ولقد قطعنا مسافة كبيرة ولم يبقَ إلا القليل.

 عبير بخوف نابع من أعماقها: وما العمل الآن؟

 حاتم محاولاً التهدئة: اهدأوا، علينا أن نكمل طريقنا لعلنا نعثر على أحد يساعدنا أو يرشدنا.

أدرتُ المحرك وانطلقنا مجدداً. بعد قرابة نصف ساعة، لاح أمامي منعطف على اليمين.

وبين الطريقين وقفت لوحة خشبية قديمة، يكاد الطلاء يتساقط عنها.

أوقفت السيارة.

نزل حاتم ليمسح عنها الغبار بكم قميصه.

ظهرت كلمات باهتة محفورة عليها:

“نهاية الطريق.”

نظر إلينا مبتسمًا وقال: “يبدو أنها لوحة قديمة… ربما يقصدون أن الطريق مغلق.”

لكن ابتسامته لم تُقنع أحدًا.

توقفتُ قليلاً بتردد، فلا أدري أأنعطف أم أكمل طريقي إلى الأمام؟

اقترح الأصدقاء جميعاً أن ننعطف يميناً، فنزلتُ عند رأيهم ودخلتُ في ذلك المنعطف.

وبعد قرابة نصف ساعة أخرى من السير... توقفت السيارة فجأة!

أدرتُ المحرك لكنه انطفأ مجدداً.. أدرتُه مرة أخرى، وتوقف من جديد.

نظرتُ إليهم بدهشة والملامح قد جفّ منها الدم، فقالوا بصوت واحد ملؤه الرعب: "ماذا؟!".

قلتُ وصوتي يرتجف: "المحرك لا يعمل!".

تقدم حاتم وحاول جاهداً إدارة المحرك بكل الطرق، ولكن دون جدوى.

نظرتُ إلى ساعتي وكانت تشير إلى التاسعة مساءً، ونظرتُ حولنا فكان الظلام الحالك يغلف المكان فقلتُ لهم حاسمة: "لن نخاطر ونتحرك من مكاننا حتى الصباح".

قال أحمد: "لِمَ لا ننزل ونبحث عن أي أحد في الجوار؟".

فزجره حاتم بحدة قاطعة: "لن ينزل أحد! المكان هنا خطير جداً ومجهول. دعونا نغفُ قليلاً، وعند شروق الشمس نكمل طريقنا".

شعرتُ حينها بتعب شديد ينهش جسدي، فأغلقتُ عيني وغططتُ في نوم عميق.

لم يمر الكثير حتى استيقظتُ على صوت نقرات خفيفة ومتتالية على زجاج النافذة.

فتحتُ عينيّ بثقل، وما إن اتضحت الرؤية حتى صرختُ برعب هزّ أركان السيارة؛

كان هناك رجل عجوز يضع وجهه مباشرة على زجاج النافذة، يحدق إلى الداخل بلا حراك وبأعين خالية من الحياة!

نهض الجميع فزعين على صوت صراخي، فأسرعتُ وأدرتُ أنوار السيارة الأمامية لعل الضوء يبعده، لكن الرجل لم يتحرك ولم يتزحزح إنشاً واحداً.

ترجل أحمد من السيارة متجاهلاً تحذيراتنا، وتوجه نحو ذلك العجوز.

سمعنا صوت أحمد وهو يقول بنبرة محاولة للاطمئنان: "يا عم، هل تحتاج إلى مساعدة؟".

لكن العجوز لم يلتفت إليه.

رفع أحمد صوته قائلاً: "يا عم، هل تحتاج مساعدة؟".

هنا... رفع ذلك العجوز رأسه ببطء شديد، ونظر إلى أحمد ثم اقترب منه بخطوات هادئة وغريبة. انقبض قلبي رعباً وشعرتُ بخطر مميت، فصرختُ على أحمد بأعلى صوتي: "ادخل السيارة بسرعة!".

لكنه بقي واقفاً مكانه كالمغيب، وكأنه لا يسمعنا.

وفجأة... اقترب الرجل من أحمد، وبلمحة عين، أمسك بعنقه وكسره أمام أعيننا المتسعة ذهولاً!

صرختُ صرخة مدوية شعرتُ بعدها أن حبالي الصوتية قد تقطعت.

أغلقتُ أبواب السيارة وأحكمت أقفالها بسرعة. 

حاول حاتم الخروج لإنقاذ أحمد ، لكنني أحكمتُ الإغلاق ومنعته، فبدأ يصرخ بهستيريا ويضرب زجاج السيارة ويشتم ذلك العجوز القذر.

لكن الكابوس لم ينتهِ عند هذا الحد؛

إذ لم يكتفِ العجوز بقتله، بل أدخل أصابعه داخل عيني أحمد واقتلعها بدم بارد!

لم أتحمل المشهد وبدأتُ أتقيأ داخل السيارة من شدة الهلع والقرف. كان حاتم يصرخ ويشتم بجنون، بينما كانت عبير تصرخ وتضرب باب السيارة فاقدة الأمل... ولا ألومها، فليس من السهل أبداً أن ترى حبيبها يُذبح أمامها بهذه الطريقة البشعة، وظلت تصرخ وتنتحب حتى فقدت وعيها تماماً.

حاولتُ تشغيل محرك السيارة مراراً وتكراراً وعقلي يكاد يطير من الرعب، لكنه لم يعمل.

بدأتُ أضرب المقود بقوة وأبكي صارخة، وإذ بالمحرك يستجيب ويعمل فجأة!

رأيتُ ذلك العجوز القذر ينظر إلينا بدهشة ممزوجة بالشر.

لم أتردد لثانية واحدة... صرختُ ودستُ على دواسة البنزين بكل ما أوتيتُ من قوة، ودهستُ ذلك المسخ. ولم أكتفِ بذلك، بل عدتُ بالسيارة وصعدتُ فوق جثته عدة مرات ذهاباً وإياباً لأتأكد من سحقه.

انطلقتُ مسرعة في الطريق وأنا أنظر إليه عبر المرآة، ثم التفتُّ إلى جثة أحمد الملقاة في الخلف وأبكي بنحيب مؤلم يحرق الصدر.

كيف فقدنا أعز أصدقائنا في لمح البصر؟ ماذا سنقول لوالديه؟!

تلفتُّ إلى عبير فرأيتها ما زالت غائبة عن الوعي، وحين حاول حاتم إيقاظها منعته وقلتُ له بإنهاك: "اتركها الآن، لعل غيبوبتها تريحها قليلاً من هذا العذاب".

لم أكن أدري أين وجهتنا، ولا إلى أين سنذهب، فالظلام الدامس كان يبتلع كل شيء حولنا.

بعد قرابة الساعة من السير المتواصل دون توقف، رأيتُ شخصاً يلوح لنا من بعيد وسط الطريق.

خفق قلبي وظننتُ أننا قد ننجو وأخيراً...

ولكن ما إن اقتربنا منه وتجلت ملامحه تحت أضواء السيارة، حتى تجمد الدم في عروقي...

إنه هو! ذلك العجوز اللعين نفسه!

كيف حدث ذلك وقد سحقتُ جثته تحت العجلات؟!

زدنا من سرعتنا لأقصى حد حتى تخطيته، وبقيتُ أقود بهستيريا إلى أن عثرنا أخيراً على طريق معبد خارجي.

تنفستُ الصعداء وشعرتُ براحة مؤقتة والدموع تملأ وجهي. بعد ساعتين كنا قد دخلنا حدود المدينة؛ توجهنا مباشرة إلى المستشفى واطمأننا على حالة عبير الصحية والنفسية، ثم أخبرنا عائلاتنا بما حدث معنا، والذين تولوا بدورهم المهمة المفجعة بنقل الخبر لأهل أحمد.

مرت على هذه الحادثة تسعة أشهر كاملة، لم ننسَ فيها أحمد يوماً ولن ننساه ما حيينا...

حاولنا أن نعيش حياتنا، لكن شيئاً في داخلي بقي عالقاً في تلك الليلة.

خصوصاً تلك اللوحة: “نهاية الطريق.”

بحثتُ عنها لاحقاً، وسألتُ بعض أهل المنطقة عن ذلك الطريق القديم.

لم يجبني أحد في البداية...

حتى أخبرني رجل مسن بحقيقة غريبة.

قال إن ذلك المنعطف أُغلق منذ سنوات طويلة، وإن كل من حاول دخوله اختفى في الغابة.

أما العجوز… فلم يكن رجلاً عادياً.

كان حارساً لطريقٍ لم يعد موجوداً، يظهر فقط لمن يضلون الطريق إليه!

ولكن، هناك شيء مرعب يقضّ مضجعي ويحرمني النوم!

في كل يوم، عند عودتي من عملي، ألمح ذلك العجوز الوقح واقفاً بثبات تحت إحدى الأشجار القريبة من منزلي...

وها أنا الآن، أكتب هذه الكلمات وأنا أراه بوضوح من نافذة غرفتي، يوجه نظراته المميتة إليّ تماماً دون حراك...

تماماً كما كان ينظر إلينا من خلف زجاج السيارة!

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology