الكاتبة زينة أمهر
عندما نتخيل المرأة في العالم القديم، غالبًا ما تظهر أمامنا صورة تقليدية: امرأة تعيش خلف جدران المنزل، خاضعة لسلطة الرجل، بعيدة عن الاقتصاد والدين والسياسة. لكن التاريخ، حين نقرأه من خلال الوثائق والآثار لا من خلال الصور النمطية، يروي قصة أكثر تعقيدًا.
فالألواح المسمارية، والبرديات، والعقود، والنصوص القانونية والإدارية، تكشف عن نساء امتلكن الأراضي والممتلكات، وأدرن الثروات، وأبرمن العقود، وشاركن في النشاط الاقتصادي، وتولين أدوارًا دينية مهمة، بل وصلت بعضهن إلى قمة السلطة السياسية.
لكن هل يعني ذلك أن المرأة القديمة كانت «متحررة» بالمعنى الذي نفهمه اليوم؟ بالتأكيد لا. فقد كانت معظم المجتمعات القديمة أبوية، وكانت حقوق المرأة واستقلالها تتفاوت تبعًا للحضارة والعصر والطبقة الاجتماعية والحالة الزوجية والمكانة الاقتصادية.
لذلك، فالسؤال الأهم ليس: هل كانت المرأة القديمة حرة أم مقيدة؟ بل: أين استطاعت أن تصنع لنفسها مساحة من القوة والاستقلال داخل عالم تحكمه بنى أبوية؟
حين امتلكت المرأة المال والممتلكات
تقدم مصر القديمة مثالًا لافتًا على المكانة القانونية والاقتصادية التي استطاعت بعض النساء بلوغها. فقد كان بإمكان المرأة امتلاك الأراضي والمنازل والأموال، ووراثتها وبيعها والتصرف فيها، كما تظهر في الوثائق القانونية طرفًا في العقود والمعاملات المالية.
وتكشف عقود الزواج المصرية عن ترتيبات مالية حددت حقوق الزوجة وممتلكاتها وما يحق لها الاحتفاظ به عند انتهاء الزواج. وهي وثائق لا تعني أن المرأة كانت مساوية للرجل، لكنها تؤكد أنها لم تكن مجرد شخصية بلا حقوق قانونية.
بل إن بعض النساء ظهرن في مواقع إدارية وقضائية، ومن أبرز الأمثلة نيبت (Nebet)، التي ارتبط اسمها بمنصب قضائي رفيع في أواخر الدولة القديمة، وهو ما يشير إلى أن بعض المجالات الرسمية لم تكن مغلقة أمام النساء بصورة مطلقة.
بلاد الرافدين: المرأة في عالم العقود والتجارة
تكشف الألواح المسمارية في بلاد الرافدين بدورها عن نساء امتلكن الأراضي والمنازل والماشية، وشاركن في عمليات البيع والشراء والتأجير والإقراض.
كما تناولت القوانين الرافدية، ومنها قانون حمورابي، مسائل الزواج والمهر والميراث والطلاق وحقوق الملكية. وقد منحت بعض الأحكام المرأة حماية قانونية لممتلكاتها في ظروف محددة، وإن كانت هذه القوانين نفسها تعكس بوضوح طبيعة المجتمع الأبوي.
وفي المجال السياسي، تذكر التقاليد الرافدية كوبابا (Kubaba) بوصفها حاكمة لمدينة كيش، وإن كانت شخصيتها تقع عند الحد الفاصل بين التاريخ والتقاليد الأسطورية، ولذلك ينبغي التعامل معها بحذر.
لم تكن اليونان نموذجًا واحدًا
حتى في العالم اليوناني، لم تكن حياة النساء متشابهة.
ففي أثينا، كانت المرأة محدودة المشاركة في الحياة السياسية، وخضعت في كثير من شؤونها لإشراف ولي أو وصي. أما في إسبرطة، فقد تمتعت النساء بقدر أكبر من الاستقلال الاقتصادي، وامتلكن الأراضي والثروة.
ومع العصر الهلنستي، تكشف الوثائق عن نساء امتلكن العقارات وأبرمن المعاملات وظهرن في سياقات قانونية واقتصادية متعددة.
وهذا الاختلاف مهم ، فلا يمكن الحديث عن «المرأة اليونانية» بوصفها نموذجًا واحدًا، كما لا يمكن اختزال تجربة النساء في حضارة كاملة ضمن صورة واحدة.
من الوثائق اليومية تظهر قوة النساء العاديات :
في مصر البطلمية، تقدم البرديات صورة أكثر قربًا من الحياة اليومية. فقد كشفت عن نساء اشترين وبعن الممتلكات، وأبرمن العقود، وأقرضن المال، ورفعن الدعاوى أمام المحاكم.
وتكمن أهمية هذه الوثائق في أنها لا تتحدث عن الملكات والنخب فقط، بل عن نساء عاديات شاركن في الحياة الاقتصادية والقانونية.
وهنا تكمن إحدى أهم مفاتيح فهم تاريخ المرأة: القوة لا تظهر دائمًا في القصور.
فقد تكون في امرأة تملك أرضًا، أو تدير ثروة، أو ترث منزلًا، أو تبرم عقدًا، أو تقف أمام المحكمة للدفاع عن حقها. هذه التفاصيل الصغيرة في ظاهرها تكشف عن مساحة حقيقية من الاستقلال، وقد تكون أحيانًا أكثر دلالة على حياة النساء من قصص الملكات والحروب.
عندما وصلت المرأة إلى العرش:
ومع ذلك، لم تقتصر مشاركة النساء في السلطة على الاقتصاد والقانون.
في مصر القديمة، وصلت بعض النساء إلى قمة الهرم السياسي. وتأتي حتشبسوت في مقدمة الأمثلة؛ فقد حكمت مصر في القرن الخامس عشر قبل الميلاد، ولم تكتفِ بدور الوصاية، بل حكمت بوصفها فرعونًا، واتخذت الألقاب والرموز الملكية، وشهد عصرها نشاطًا معماريًا وتجاريًا واسعًا.
ولم تكن حتشبسوت أول امرأة تحكم مصر؛ فقد سبقتها سوبك نفرو في نهاية الأسرة الثانية عشرة، كما حكمت تاوسرت في نهاية الأسرة التاسعة عشرة.
لكن وصول هؤلاء النساء إلى العرش كان استثناءً تاريخيًا، لا دليلًا على أن النظام السياسي المصري كان مساويًا بين الرجال والنساء.
إنخيدوانا: حين أصبحت المرأة صوتًا للمؤسسة الدينية
لم يكن النفوذ النسائي سياسيًا واقتصاديًا فقط. ففي بلاد الرافدين، كان للمؤسسات الدينية نفوذ اقتصادي واجتماعي واسع، وبرزت نساء في مواقع دينية مهمة.
ومن أشهرهن إنخيدوانا (Enheduanna)، ابنة سرجون الأكدي، التي شغلت منصب الكاهنة العليا للإله نانا في أور خلال الألف الثالث قبل الميلاد.
وترتبط إنخيدوانا أيضًا بمجموعة من النصوص الدينية والأدبية التي جعلت اسمها من أقدم الأسماء المعروفة المرتبطة بمؤلف أدبي محدد في التاريخ. وهكذا لم تكن المرأة مجرد مشاركة في الطقوس، بل استطاعت في بعض الحالات أن تصبح جزءًا من المؤسسة الدينية ذات النفوذ.
زنوبيا: من القصر إلى قلب الصراع السياسي
وبعد قرون، ظهرت في تدمر شخصية نسائية أخرى أصبحت رمزًا للسلطة والطموح السياسي: زنوبيا.
بعد وفاة أذينة، أصبحت زنوبيا وصية على ابنها، ثم برزت بوصفها شخصية سياسية قوية في الشرق الروماني خلال القرن الثالث الميلادي. وفي عهدها توسع نفوذ تدمر، ودخلت في مواجهة مباشرة مع الإمبراطور الروماني أورليان.
وهنا لم تعد المرأة مجرد صاحبة نفوذ داخل القصر، بل أصبحت طرفًا في مشروع سياسي واسع وصراع مع إحدى أعظم القوى في العالم القديم.
لكن… هل كانت المرأة مساوية للرجل؟
رغم كل هذه الأمثلة، سيكون من الخطأ تحويلها إلى صورة رومانسية عن «تحرر المرأة القديمة».
فمعظم المجتمعات القديمة ظلت أبوية، وكانت السلطة السياسية والعسكرية العليا في يد الرجال في الغالب. كما لم تكن الحقوق متساوية بين جميع النساء؛ فالملكة ليست كالمرأة الفقيرة، والحرة ليست كالعبدة، والغنية ليست كالفقيرة، والمتزوجة ليست بالضرورة في الوضع نفسه الذي كانت عليه الأرملة أو غير المتزوجة.
لذلك، لا يمكن دراسة المرأة القديمة بمعزل عن الطبقة والمكان والقانون والزواج والثروة والدين.
المرأة القديمة… فاعل تاريخي لا ضحية صامتة ولا امرأة «متحررة» بالمعنى الحديث
تكشف الأدلة في النهاية عن صورة أكثر إنسانية وتعقيدًا.
فالمرأة في العالم القديم لم تكن مجرد شخصية هامشية تنتظر أن يصنع الرجال التاريخ نيابة عنها، لكنها في الوقت نفسه لم تكن مساوية للرجل في كل المجالات. كانت فاعلًا تاريخيًا امتلكت، بدرجات متفاوتة، مساحات من القوة الاقتصادية والقانونية والدينية والسياسية.
والأهم أننا لا ينبغي أن نبحث عن النساء اللواتي حملن لقب «ملكة» فقط. فهناك نساء لم تدخل أسماؤهن كتب التاريخ، لكنهن ظهرن في عقد بيع، أو وثيقة ميراث، أو سجل قضائي، أو معاملة تجارية ، تاركات لنا أثرًا صغيرًا يقول إنهن امتلكن شيئًا من القرار في حياتهن .
فالتاريخ لا يخبرنا أن المرأة القديمة كانت حرة تمامًا أو مقهورة تمامًا ، بل يخبرنا أنها كانت أكثر تعقيدًا من الصورتين معًا. وبين القيود والمساحات المتاحة، استطاعت نساء كثيرات أن يمتلكن، بدرجات مختلفة، الحكم و القرار و الصوت و احياناً العرش نفسه
