من يصنع الضجيج؟

 


بقلم الكاتبة الصحفية/ سهام فودة 

لم تعد الشائعة تحتاج إلى شخص يهمس بها في أذن شخص آخر؛ يكفي أن تُكتب على شاشة، ثم تتكفل آلاف الأصابع بالباقي. وفي عالم أصبحت فيه المعلومة أسرع من التحقق منها، ظهرت اللجان الإلكترونية كإحدى أخطر أدوات التأثير في الرأي العام، حين يتحول الحساب من مساحة للتعبير إلى أداة للتوجيه والتضليل وإرباك المجتمع.

اللجان الإلكترونية ليست مجرد حسابات كثيرة تتحدث في وقت واحد، وإنما قد تكون شبكات منسقة هدفها دفع رواية معينة إلى الواجهة، أو تشويه شخص، أو تضخيم أزمة، أو صناعة حالة من الغضب والقلق. وقد تستخدم حسابات وهمية أو منتحلة، وأحيانًا أدوات آلية، لتكرار الرسالة نفسها حتى تبدو وكأنها رأي عام واسع.

واللعبة الأخطر أنها لا تعتمد دائمًا على كذبة صريحة؛ فقد تبدأ بمعلومة صحيحة، ثم تُقتطع من سياقها، أو تُضاف إليها تفاصيل غير مؤكدة، أو يُعاد تقديمها بطريقة تثير الشك والخوف. ومع التكرار، تتحول الرواية من مجرد منشور إلى «حقيقة متداولة» في أذهان البعض.

أما استهداف الأشخاص، فلا يكون بالضرورة بهجوم مباشر. أحيانًا يبدأ بسؤال يبدو بريئًا، ثم تعليق ساخر، ثم اتهام مبطن، ثم إعادة نشر متكررة، حتى تتكون صورة ذهنية سلبية عن الشخص قبل أن يسأل أحد: أين الدليل؟

وتزداد خطورة الأمر عندما تدخل الحسابات في توقيت واحد، وتستخدم عبارات متشابهة، وتعيد نشر المحتوى نفسه، وتنتقل من منصة إلى أخرى لدفع الموضوع إلى مساحة أوسع. هنا قد لا يكون الهدف إقناع الناس بشيء محدد بقدر ما يكون إغراقهم في الضجيج حتى يصبح التمييز بين الحقيقة والشائعة أكثر صعوبة.

والسؤال الأهم: كيف يعرف مستخدم التواصل الاجتماعي أنه أمام حملة مشبوهة؟

العلامة الأولى هي الحساب نفسه. حساب حديث، بلا تاريخ واضح، أو يحمل اسمًا وصورة لا يمكن التحقق منهما، وينشر موضوعًا واحدًا بإلحاح شديد، يستحق التوقف قبل تصديق ما يقدمه.

والعلامة الثانية هي التطابق غير الطبيعي. عندما تظهر عشرات الحسابات في وقت متقارب بالعبارات نفسها أو الرسالة نفسها، فهذه إشارة تستحق الفحص، لكنها ليست وحدها دليلًا قاطعًا على وجود لجنة.

والعلامة الثالثة هي المعلومة بلا مصدر: «مصدر خاص»، «معلومات مؤكدة»، «انتظروا المفاجأة»، من دون وثيقة أو جهة موثوقة يمكن الرجوع إليها. كلما ارتفع الادعاء، ارتفعت الحاجة إلى الدليل.

والعلامة الرابعة هي اللعب على المشاعر. إذا كان المنشور يريد منك أن تغضب فورًا، أو تخاف فورًا، أو تكره شخصًا فورًا، فتوقف لحظة. المحتوى الذي يستعجل انفعالك قد يكون مصممًا تحديدًا حتى يمنعك من التفكير.

وهنا تأتي القاعدة الذهبية لرواد التواصل الاجتماعي: لا تجعل إعادة النشر وسيلة للتحقق. لا تنشر الشائعة لتقول إنك تحذر منها، لأنك بذلك قد تمنحها انتشارًا مجانيًا. ابحث عن المصدر الأصلي، قارِن المعلومات، افحص تاريخ الصورة أو الفيديو وسياقه، وانتظر التحقق من مصادر مستقلة عندما تكون القضية حساسة.

ولا تحوّل الاختلاف إلى اتهام. فليس كل شخص يختلف معك لجنة إلكترونية، وليس كل حساب مجهول جزءًا من مؤامرة. النقد حق، أما التضليل المنظم وانتحال الهوية والتشهير المتعمد فشيء آخر.

وفي النهاية، أقوى مواجهة للجان الإلكترونية ليست بالصراخ في وجهها، ولا بالدخول في معارك لا تنتهي معها؛ وإنما بإفساد خطتها الأساسية: أن تتوقف عن منح الشائعة سرعة انتشارها.

فالحساب يستطيع أن يكتب، والمنصة تستطيع أن تدفع المحتوى إلى الواجهة، لكن القرار الأخير يظل في يد المستخدم: أن يكون حلقة في سلسلة الشائعة، أم يكون نقطة توقفها.

في زمن تستطيع فيه كذبة صغيرة أن تعبر مدينة كاملة خلال دقائق، أصبح زر «مشاركة» مسؤولية، وأصبح التحقق قبل التصديق نوعًا من الوعي، وربما أصبح الصمت أمام معلومة غير مؤكدة أحيانًا أكثر شجاعة من ألف تعليق.


إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology