في إطار اهتمامه المتواصل بالمشهد الثقافي الأردني وبما يختزن من ذاكرة المكان والإنسان نظم منتدى الجياد للثقافة والتنمية بالتعاون مع جمعية أضواء الشرق السياحية وجمعية نهر اليرموك للتنمية والثقافة مساء الأربعاء في نادي الفنانين بمدينة إربد ندوة جديدة ضمن سلسلته الدورية حول السردية الأردنية حملت عنوان «سردية القرية الأردنية». وجاءت الندوة مساحة ثقافية لاستعادة القرية الأردنية بوصفها جزءًا أصيلًا من الذاكرة الوطنية والاجتماعية ومصدرًا مهمًا للحكاية الشعبية والتراث الشفهي.
وشهدت الندوة تكريم الباحث والأديب الدكتور أحمد شريف الزعبي تقديرًا لما قدمه من جهود بحثية وثقافية في مجال التراث والقرية الأردنية وما ارتبط بها من عادات وتقاليد وأغانٍ وحكايات وموروث شعبي. ولم يكن التكريم مجرد احتفاء بشخصية ثقافية فحسب بل كان اعترافًا بقيمة البحث في الذاكرة الشعبية وضرورة المحافظة على عناصرها من الاندثار في زمن تتسارع فيه التحولات الاجتماعية والثقافية.
وفي كلمته خلال الندوة تحدث القاص سامر المعاني عن أسباب تكريم الدكتور أحمد شريف الزعبي مؤكدًا أن تكريم الباحثين لا ينبغي أن يكون مناسبة عابرة بل فعلًا ثقافيًا يرسخ قيمة المعرفة ويمنح أصحاب الجهد الحقيقي حقهم من التقدير. وأشار إلى أن الزعبي استطاع من خلال اهتمامه بالقرية والتراث أن يقترب من تفاصيل تبدو بسيطة في ظاهرها لكنها تحمل في داخلها تاريخًا اجتماعيًا وإنسانيًا غنيًا.
وأكد المعاني أن القرية الأردنية ليست مجرد مكان جغرافي أو تجمع سكاني بل هي منظومة من العلاقات والقيم والطقوس والحكايات والأمثال والأغاني التي صنعت جانبًا مهمًا من شخصية المجتمع الأردني. ومن هنا تأتي أهمية الأعمال التي تحاول توثيق هذه التفاصيل قبل أن تختفي تحت تأثير التغيرات المتلاحقة في أنماط الحياة.
وتناول القاص محمد الصمادي في مداخلته موضوع الأغاني الشعبية في إصدارات الدكتور الزعبي متوقفًا عند أهمية الأغنية الشعبية باعتبارها وثيقة اجتماعية وفنية تحفظ جانبًا من وجدان الناس وتكشف عن أفراحهم وأحزانهم وعلاقاتهم بالمناسبات والعمل والحياة اليومية. فالأغنية الشعبية لم تكن مجرد كلمات وألحان تتناقلها الأجيال بل كانت وسيلة للتعبير عن المشاعر وتسجيل المواقف ونقل التجربة من جيل إلى آخر.
وأشار الصمادي إلى أن توثيق هذه الأغاني في الكتب يمنحها فرصة جديدة للبقاء ويحولها من مادة شفوية قابلة للنسيان إلى مادة مكتوبة يمكن للباحثين والمهتمين العودة إليها ودراستها. كما أن الأغنية الشعبية تكشف الكثير عن طبيعة المجتمع الذي أنتجها وعن المفردات التي كانت حاضرة في حياته اليومية وعن تصوراته للحب والعمل والمناسبات والعلاقات الاجتماعية.
من جانبه تحدث أحمد طناش شطناوي عن أهمية كتب التراث ودورها في حفظ الذاكرة الجمعية مؤكدًا أن الكتاب التراثي يمثل جسرًا بين الماضي والحاضر. فالتراث لا يعيش بمجرد الاحتفاء به في المناسبات وإنما يحتاج إلى البحث والتوثيق والقراءة وإعادة تقديمه للأجيال الجديدة بطريقة تجعله حاضرًا في وعيها.
وبيّن شطناوي أن كتب التراث تمنح القارئ فرصة للتعرف إلى جذور المجتمع وفهم التحولات التي مر بها الإنسان الأردني. كما أنها تضع أمام الباحث مادة ثرية تساعده على قراءة الماضي بعيدًا عن الصورة المجردة أو المختصرة التي قد تفقد التفاصيل قيمتها.
وأدار الندوة الدكتور الشاعر إبراهيم الطيار الذي أضفى على الحوار مساحة من التنظيم والتفاعل بين المشاركين والحضور. وأسهمت المداخلات في فتح أكثر من زاوية للنظر إلى القرية الأردنية باعتبارها فضاءً ثقافيًا متكاملًا لا يمكن اختزاله في الجغرافيا وحدها. فالقرية حاضرة في الذاكرة من خلال البيت والساحة والبئر والحقل والأغنية والحكاية والمثل الشعبي والعلاقات الإنسانية التي شكلت نسيج الحياة اليومية.
وتأتي هذه الندوة ضمن سلسلة الفعاليات التي يواصل منتدى الجياد للثقافة والتنمية وجمعية اضواء الشرق وجمعية نهر اليرموك تنظيمهم حول السردية الأردنية في محاولة للاقتراب من مكونات الثقافة المحلية وتسليط الضوء على التجارب والأصوات التي أسهمت في حفظ الذاكرة الوطنية. كما تؤكد الشراكة مع جمعية أضواء الشرق السياحية وجمعية نهر اليرموك للتنمية والثقافة أهمية العمل الثقافي التشاركي في خدمة المعرفة والتراث.
وقد حملت «سردية القرية الأردنية» أكثر من دلالة؛ فهي دعوة إلى النظر إلى القرية باعتبارها سجلًا حيًا للذاكرة الأردنية ومخزونًا من القصص والتجارب التي تستحق أن توثق وتقرأ من جديد. كما أن تكريم الدكتور أحمد شريف الزعبي جاء في سياق أوسع يتمثل في تكريم البحث الجاد والجهد الذي ينحاز إلى الإنسان ومكانه وذاكرته.












