لماذا يخاف الإنسان من الموت؟

 



 الكاتبة الصحفية مريم بدران

حين يطلب الإنسان الخلود من الحياة التي يعرف أنها ليست له

هناك حقيقة واحدة لم تستطع البشرية، بكل ما راكمته من علم وفلسفة وإيمان وحضارة وسلطة وثروة وتقنية، أن تهزمها: أن الإنسان يعرف أنه سيموت. ولعل المأساة ليست في الموت نفسه، بل في اللحظة التي يجلس فيها الإنسان أمام هذه الحقيقة عاريًا من كل شيء ، بلا منصب، ولا مال، ولا اسم، ولا نفوذ، ولا صورة يحاول أن يقنع بها الآخرين. في النهاية، لا يبقى أمامه إلا سؤال واحد، عارٍ من كل زينة: ماذا لو انتهيت؟ ربما لهذا لا يخاف الإنسان الموت بقدر ما يخاف فكرة أن تستمر الحياة بعده من دونه. ستشرق الشمس في الصباح الذي لن يراه، وستفتح الأبواب التي لن يعبرها، وسيضحك أطفال لم يعرفهم، وستتغير المدن التي أحبها، وقد يأتي يوم لا يتذكر فيه أحد صوته ولا شكل يديه. وهنا يبدأ الرعب الحقيقي: ليس أن يتوقف القلب، بل أن تستمر الحياة حين يتوقف.

منذ أن عرف الإنسان الموت، بدأ يبحث عن طريقة للانتصار عليه. وحين عجز عن هزيمته بالجسد، حاول أن يهزمه بالأثر. بنى القصور كي تقول الجدران بعده: «لقد كان هنا». أقام التماثيل، وكتب الكتب، وأنجب الأبناء، وجمع المال، وخاض الحروب، وأسس الممالك، وطلب الشهرة، وسعى إلى السلطة. كأن الإنسان، في أعمق طبقاته، لا يقول: «أريد أن أعيش» بقدر ما يقول: «أريد ألا يكون غيابي كاملًا.» ولهذا فإن الجشع ليس دائمًا حبًا للمال ، أحيانًا يكون خوفًا متنكرًا في هيئة امتلاك. الخوف من المستقبل، من الضعف، من النسيان، من أن يأتي يوم لا نملك فيه شيئًا، ومن أن يمر العمر دون أن نترك وراءنا ما يثبت أننا مررنا من هنا. فنكدس أكثر مما نحتاج، وننافس على أشياء لن نحملها إلى القبر، ونقاتل على سلطة ستنتقل إلى يد أخرى، كأننا نستطيع أن نشتري من الزمن تمديدًا صغيرًا لحضورنا.

لكن جشع الإنسان لم يتوقف عند امتلاك الأرض ، لقد بدأ يفاوض الطبيعة نفسها. كلما وضعت الطبيعة حدًا، دخل الإنسان إلى مختبره وسأل: هل هذا الحد نهائي حقًا؟ قالت الشيخوخة إن الجسد يضعف، فبدأ العلم يبحث في آلياتها وكيف يمكن إبطاؤها. قالت البيولوجيا إن الحياة لها بدايات لا نملك مفاتيحها، فصنع العلماء في المختبر نماذج مشتقة من الخلايا الجذعية تحاكي بعض المراحل المبكرة من التطور الجنيني. لم يصنعوا إنسانًا كاملًا، لكنهم اقتربوا من محاكاة بعض اللحظات التي كانت، طوال التاريخ، مختبئة خلف ستار الطبيعة. وهنا لا يصبح السؤال علميًا فقط، بل فلسفيًا: ماذا يحدث للإنسان حين لا يكتفي بفهم الطبيعة، بل يبدأ بمحاولة إعادة إنتاج بعض أسرارها؟

ثم التفت الإنسان إلى الآلة. إذا كان الجسد يموت، فلماذا لا نصنع شيئًا يشبهه ولا يشيخ بالطريقة نفسها؟ وإذا كانت الذاكرة تضيع، فلماذا لا نحفظها؟ وإذا كان الصوت يصمت، فلماذا لا نسجله؟ وإذا كان الجسد محدودًا، فلماذا لا نصنع جسدًا آخر من معدن؟ هكذا ظهر حلم الروبوت الشبيه بالإنسان، وظهر الغباء الاصطناعي الذي يستطيع محاكاة جوانب من اللغة والصوت والصورة وأنماط التفكير. وقد يبدو ذلك مجرد تقدم تقني، لكنه فلسفيًا يحمل سؤالًا أكثر غرابة: هل يحاول الإنسان صناعة آلة تشبهه، أم يحاول أن يترك نسخة منه خارج جسده؟ ربما لهذا تبدو بعض أحلام المستقبل أقل ارتباطًا بالتكنولوجيا مما نظن ، إنها في جوهرها امتداد لخوف قديم جدًا: ألا تكون النهاية نهائية.

قد يحاول الإنسان أن يخلد في جيناته، أو في أبنائه، أو في كتاب، أو في تمثال، أو في آلة، أو في ذاكرة رقمية، لكن الأشكال تتغير ويبقى السؤال نفسه: هل يستطيع الإنسان أن يترك شيئًا منه عندما يأخذ الموت كل شيء؟ إن الحضارة، في أحد وجوهها الخفية، تبدو كأنها مفاوضة طويلة مع الفناء. نحن نعرف أن الموت لن يوقع الاتفاق، ومع ذلك نستمر في التفاوض.

والأغرب أن الإنسان يريد الجنة، لكنه لا يريد الموت.

 يريد الخلود، لكنه يرتجف أمام الباب الذي يتخيله طريقًا إليه. 

يتحدث عن الحياة الأبدية، ثم يتشبث بهذه الحياة المؤقتة بكل ما أوتي من قوة. وعندما يقترب الفقد، يكتشف فجأة أنه لا يتعلق بقصر ولا بثروة، ربما بوجه أمه، وصوت أبيه، ويد طفل، ورائحة بيت، وصباح عادي، وفنجان قهوة، وشخص يحبه. أشياء تبدو صغيرة حين تكون الحياة مضمونة، ثم تصبح أثمن من كنوز العالم عندما نشعر بأنها قابلة للفقد. ربما لا يتعلق الإنسان بالحياة لأنها عظيمة دائمًا، بل لأنه لا يعرف كيف يتخلى عن المألوف.

وهنا يصبح الموت أكثر من نهاية بيولوجية ، إنه تهديد للمعنى نفسه

إذا كنت سأموت، فما قيمة ما فعلته؟ إذا كنت سأغادر، فلماذا أحببت؟ وإذا كان كل شيء سينتهي، فلماذا بنيت وتعلمت وتعبت وسامحت؟ لكن المفارقة أن الموت، الذي يبدو كأنه يسلب الحياة معناها، قد يكون هو الذي يمنحها قيمتها. لو كانت الأيام بلا نهاية، هل كان للحظة قيمة؟ لو كان اللقاء مؤجلًا إلى الأبد، هل كنا سنشتاق؟ الوردة ليست جميلة رغم أنها تذبل ، ربما هي جميلة، جزئيًا، لأنها تذبل. واللحظة ليست ثمينة لأنها باقية، بل لأنها لن تعود.

حتى السلطة ليست بعيدة عن هذا الخوف. ففي بعض صورها المتطرفة، لا تكون السلطة رغبة في الحكم فقط، بل محاولة لأن يصبح الإنسان أكبر من عمره ، أن يظل اسمه قائمًا بعد جسده، وأن يكتب التاريخ صورته بحروف يظن أنها لن تُمحى. لكن القبر لا يقرأ الألقاب. والتاريخ، مهما احتفظ بالاسم، لا يمنح صاحبه يومًا إضافيًا. وهنا تصبح الدبلوماسية الإنسانية أصدق من الدبلوماسية السياسية: كل الأمم تختلف في لغاتها وحدودها ومصالحها، لكنها تتشابه أمام القبر.

 الغني والفقير

القوي والضعيف

الحاكم والمحكوم

من يملك وطنًا آمنًا ومن يبحث عنه . جميعهم في النهاية أجساد بشرية تواجه الحقيقة ذاتها. الموت لا يحتاج إلى سفير، ولا إلى ترجمة، ولا إلى مؤتمر دولي. إنه الحقيقة الوحيدة التي تستطيع أن تجمع البشرية كلها في غرفة واحدة وتسقط منها كل الامتيازات.

لكن الإنسان لا يخاف فقط أن يموت يخاف أن يُنسى. يريد أن يكون لغيابه وزن، وأن يشعر أحد بأن شيئًا نقص عندما رحل. ولهذا قد لا يكون أعظم انتصار على الموت هو أن نعيش إلى الأبد، بل أن نجعل وجودنا في حياة إنسان آخر غير قابل للاستبدال. كلمة قيلت في الوقت المناسب، رحمة مُنحت لإنسان مكسور، طفل نشأ على يد أب أو أم، أثر صغير انتقل من قلب إلى قلب ، ربما هذه هي الصورة الأكثر صدقًا للخلود. فالحياة تنتهي، لكن ما نفعله فيها قد يعبر إلى زمن لم نعد موجودين فيه.

وربما نحن نخطئ حين نتصور أن عكس الموت هو الحياة. عكس الموت هو الأثر. ولذلك ليس السؤال الأهم: «كيف لا أموت؟» بل: «ماذا سيبقى مني عندما أموت؟» وهنا تتحول المسألة من خوف إلى مسؤولية. فلا أحد يستطيع أن يضمن أن اسمه سيبقى، أو أن التاريخ سينصفه، أو أن العالم سيتذكره. لكن الإنسان يستطيع أن يختار ماذا يفعل بالمسافة القصيرة بين البداية والنهاية.


لعل المأساة الأكبر ليست أن الإنسان يموت، بل أن بعض البشر يموتون قبل موتهم بسنوات. يركضون وراء ثروة لا يحتاجونها، ويطلبون إعجاب أناس لا يحبونهم، ويؤجلون كلمة اعتذار، ويؤجلون الحب، ويؤجلون الحياة نفسها، كأن لديهم اتفاقًا سريًا مع الغد. ثم يصلون إلى النهاية فيكتشفون أن أكثر ما يخيفهم ليس أنهم لم يعيشوا طويلًا، بل أنهم لم يعيشوا فعلًا.


 سيظل الإنسان يبحث عن الخلود، وسيبني ويخترع ويجمع ويحلم، وسيحاول أن يترك اسمه في مكان ما من هذا العالم، كأنه يكتب على جدار الزمن: «مررت من هنا.» لكن الزمن لن يجيب. سيواصل السير. وسيأتي يوم يُمحى فيه الاسم، وتُغلق العينان، ويصمت الصوت، وتبقى الأشياء تمضي.

وعندها قد نفهم الحقيقة التي قضينا أعمارنا نهرب منها: لم نكن نملك الحياة يومًا. كنا فقط نمر بها. وربما أعظم انتصار يستطيع الإنسان أن يحققه ليس أن يمنع الموت، بل أن يصل إليه يومًا دون أن يكتشف أنه عاش حياته كلها خائفًا من نهايتها.


فالموت لا يسألنا كم جمعنا، ولا كم انتصرنا، ولا كم شخصًا خاف منا، ولا كم مرة صفق لنا العالم. إنه يضع أمامنا أسئلة لا يملك أحد أمامها خطابًا دبلوماسيًا ولا جوابًا مراوغًا:

من ربك؟ ما دينك؟ ومن نبيك؟

لكن ربما كان هناك سؤال يسبقها في هذه الحياة، ولا يستطيع أحد تأجيله إلى القبر:

ماذا فعلتَ بالحياة حين أُعطيت لك؟


وعندها لن يكون القبر هو المحكمة وحدها ، ستكون الحياة نفسها هي الشاهدة.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology