رجفةٌ لا تُنسى

 



بقلم الكاتبة الصحفية/ سهام فودة 



قبل أن نقرأ، نُصلّي على خير الأنام، سيدنا محمد ﷺ، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ليست كل الرجفات تُصيب الأرض، فبعضها يُصيب الإنسان من الداخل، فيوقظه من سباتٍ طال، ويُسقط عنه أوهامًا عاش يصدقها سنوات. وما الزلازل إلا لحظة يعلن فيها الكون أن القوة التي يتباهى بها البشر ليست سوى خيطٍ رفيع، وأن الحياة التي نؤجل فيها كل شيء قد تنقلب في ثانية لا تستأذن أحدًا.

نعيش وكأن الغد وعدٌ مكتوب لنا، فنؤجل الاعتذار، ونؤخر صلة الرحم، وننشغل بجمع المال، ونستهلك أعمارنا في خصومات صغيرة، حتى إذا ارتجفت الأرض، سقطت معها حساباتنا كلها، ولم يبق في القلب إلا سؤال واحد: أين الذين أحبهم؟ وهل ما زالوا بخير؟

عند الشدائد تتبدل الموازين. لا يسأل الإنسان عن رصيده، بل عن أمه، ولا عن مكانته، بل عن أطفاله، ولا عن بيته، بل عن الذين يمنحون البيت معنى. هناك فقط يكتشف أن الثروة الحقيقية ليست ما نملكه، بل من يملكون مكانًا في قلوبنا.

ولعل أكثر ما تفضحه الكوارث هو غرور الإنسان. فمهما ارتفعت الأبراج، وتقدمت العلوم، واتسعت المدن، يبقى القلب أضعف من أن يصنع لنفسه طمأنينة بعيدًا عن الله. فالأمان لا تصنعه الجدران، وإنما يصنعه اليقين، ولا تحفظ البيوت أعمدتها، بل تحفظها المودة، والرحمة، والدعوات الصادقة التي ترتفع في جوف الليل.

وحين يهدأ كل شيء، يبقى سؤال لا ينبغي الهروب منه: لو كانت هذه آخر لحظة في عمري، ماذا سأترك خلفي؟ هل سأترك قلبًا جبرته، أم قلبًا كسرته؟ هل سأترك دعوةً صادقة، أم خصومةً مؤجلة؟ هل سألقى الله وقد امتلأت يدي بالدنيا، أم امتلأ قلبي بالإيمان؟

يقول الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ۝ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾.

ليست الآية دعوة إلى الخوف، بل دعوة إلى البصيرة. أن نبني حياتنا، لكن دون غرور، وأن نحب الدنيا، لكن دون أن تستعبد قلوبنا، وأن نُحسن إلى الناس قبل أن يفرقنا الزمن، وأن نتمسك بالله، لأنه الثابت الوحيد في عالمٍ يتغير في كل لحظة.

فالزلازل لا تأتي لتخبرنا أن الموت قريب، بل لتعلمنا أن الحياة أقصر من أن تُهدر في القطيعة، وأغلى من أن تُستهلك في الكراهية، وأثمن من أن تمر دون أثرٍ طيب.

قد تهتز الأرض يومًا، لكن المؤمن الحق هو من يبقى قلبه ثابتًا، لأن من جعل الله سنده، لن تهزمه رجفة، ولن تكسره عاصفة، ولو اضطرب العالم كله من حوله.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology