معزوفة أيقظت الغياب ( لحنٌ لا يعرف الوداع )

  


بقلم هيا برماوي

نهضتُ من نومي على صوت المعزوفة ذاتها التي أسمعها كل مساء.


اعتدلتُ في جلستي، ونظرتُ حولي، فرأيتُ الكتاب الذي كان في يدي قبل أن أغفو مستلقيًا بجانبي على السرير، بينما أصبحت قهوتي باردة. أدركتُ حينها أنني غفوت وأنا أقرأ الرواية التي بدأتُها أمس، ولم أستطع أن أتركها للحظة؛ فقد كنتُ غارقةً في تفاصيلها الجميلة.


نهضتُ سريعًا واتجهتُ نحو النافذة، فلم أرد أن أفوّت سماع تلك المعزوفة الساحرة.


فتحتُ النافذة، ووقفتُ بهدوء، فرأيتُ جارتنا، السيدة فتون، تعزف مقطوعتها الجميلة. لم أسمع في حياتي معزوفةً أعذب منها.


أسندتُ رأسي إلى إطار النافذة، وبقيتُ أستمع إليها بشغف. كانت السيدة فتون في أوائل الخمسينيات من عمرها، لكن من يراها يظنها في ريعان شبابها. كانت ملامحها حادة وجميلة، وقد غزا الشيب بعض خصلات شعرها، لكنها لم تُخفِها، بل صبغت شعرها كله باللون الرمادي، فكأنها ازدادت وقارًا وجمالًا. كنتُ أتأملها وكأنها لوحة فنية تنبض بالحياة.


كنتُ أحبها كثيرًا، وأحرص على زيارتها في معظم الأوقات.


ما إن انتهت من عزفها حتى انتبهت إليّ، ولوّحت بيدها مبتسمة، ثم قالت بصوتها الدافئ:


– هيا، تعالي نشرب القهوة معًا.


أومأتُ برأسي، وبدّلتُ ملابسي، ثم ذهبتُ إليها.


دخلتُ منزلها الجميل، ذلك المنزل الذي أشعر كلما وطئتُه أنني انتقلتُ إلى العصر الفيكتوري، في أحد البيوت البريطانية العريقة. كل ما فيه كان أنيقًا وكلاسيكيًا، يعكس الذوق الرفيع لصاحبته.


جلسنا نتبادل أطراف الحديث، ورغم الحزن الذي كان يسكن ملامحها وعينيها، فإن ابتسامتها الهادئة لم تكن تفارق وجهها.


نظرتُ إليها وقلت:


 كيف حال العم يحيى؟ هل طرأ أي تحسن على وضعه؟


خيّم الحزن على ملامحها، وتنهدت قائلة:


 لا جديد… اليوم أكمل عامًا كاملًا وهو في غيبوبته، وأنا ما زلت أنتظر، لا أملك إلا الدعاء والصبر.


قلتُ بحزن:


 ألم يخبركم الطبيب بشيء قد يساعده على استعادة وعيه؟


أجابت:


 كل ما قاله الطبيب إن يحيى يشعر بكل ما يدور حوله، لكن عقله لا يستجيب. وطلب مني أن أواصل فعل كل ما كان يحبه، لعل شيئًا من تلك الذكريات يعيده إلينا.


ثم نظرت إلى البيانو، وقالت بصوتٍ خافت:


 لهذا أعزف هذه المقطوعة كل يوم… كان يعشقها، وكان يطلب مني دائمًا أن أعزفها له. لعلها تصل إليه، فيعود إليّ بعد هذا الغياب الطويل.


قلتُ:


هل فقدتِ الأمل؟


ابتسمت ابتسامة امتزج فيها الألم باليقين، وقالت:


 لا… ولن أفقده أبدًا.


ثم أردفت:


 لقد عشتُ مع يحيى قصة حب لا يمكن أن تُنسى، ولو مر عليها ألف عام. أحببنا بعضنا سنواتٍ طويلة قبل أن نتزوج، وها نحن منذ ثلاثة عقود نسير في الطريق نفسه. لم يتغير حبي له، كما لم يتغير حبه لي.


وسكتت لحظة، ثم قالت وهي تنظر إلى صورته المعلّقة على الجدار:


 ثلاثون عامًا مرّت… ولم ننم يومًا على خصام. لم يكن زوجي فحسب، بل كان عائلتي، وصديقي، وكل ما أملك. سأنتظره حتى آخر يوم في عمري، ولن أملّ أبدًا.


تأثرتُ كثيرًا بكلماتها، ودعوتُ الله من أعماقي أن يعيد العم يحيى إليها سالمًا. فهي لا تملك في هذه الدنيا غيره، ولم يرزقهما الله أطفالًا يخففون عنهما قسوة الأيام.


خرجتُ من منزلها، لكنني لم أخرج كما دخلته؛ ففي كل مرة أزورها أشعر أن شيئًا ما يتغير في داخلي، وكأنها تعلمني معنى جديدًا للحب والوفاء.


عدتُ إلى غرفتي، ولم أغادرها ذلك اليوم. ظللتُ أفكر في السيدة فتون والعم يحيى حتى أشارت الساعة إلى الثانية عشرة بعد منتصف الليل.


غفوتُ أخيرًا في نومٍ عميق، لكنني فوجئت بأنني أسمع معزوفة السيدة فتون.


فتحتُ عينيّ مذعورة.


هل أحلم؟


نهضتُ من فراشي، وما زالت المعزوفة تتردد في أرجاء المكان.


نظرتُ إلى الساعة، فإذا بها تشير إلى الثامنة صباحًا.


أسرعتُ نحو النافذة، وفتحتها.


وارتجفت أطرافي حين رأيت السيدة فتون تعزف مقطوعتها، بينما كان العم يحيى يجلس إلى جوارها على كرسيه… يبتسم.


تسمرتُ في مكاني.


هل استعاد وعيه أخيرًا بعد تلك الغيبوبة، وبعد ذلك الحادث اللعين؟


رفع رأسه ببطء، ونظر إليها أولًا، ثم أمسك يدها المرتجفة وهمس بصوتٍ أنهكه الغياب:


“اعزفيها مرةً أخرى…”


لم تتمالك السيدة فتون نفسها، فانهمرت دموعها وهي تبتسم. كانت تبكي كما لم أرَ أحدًا يبكي من قبل؛ دموعًا امتزج فيها عامٌ كامل من الانتظار، والخوف، والدعاء، والرجاء.


وضعت يديها على مفاتيح البيانو، وعزفت المقطوعة ذاتها التي لم تملّ من عزفها يومًا.


لكنها هذه المرة… لم تكن تعزف لرجلٍ غائب، بل لرجلٍ عاد إليها.


وقفتُ أراقبهما بصمت، وشعرتُ أنني أمام أعظم مشهد حب رأيته في حياتي.


رفع رأسه، ونظر إليّ، ثم لوّح بيده مبتسمًا، ولوّحتُ لهما وأنا أكاد أبكي من شدة الفرح. كانت دقات قلبي تقرع كطبول الاحتفال، بينما غمرت الدموع عينيّ.


حمدتُ الله طويلًا على عودة العم يحيى إلى الحياة.


وبعد أيام، أخبرتني السيدة فتون أن الأطباء أكدوا لهم أن يحيى كان يسمعها طوال فترة غيبوبته، وأن معزوفتها اليومية كانت تصل إليه في أعماقه، تذكره بالحياة، وبها… حتى عاد إليها بإذن الله.


ما أعظم الوفاء… وما أصدق الحب الذي يرفض أن يستسلم، حتى في مواجهة الغياب.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology