عن أي ثقافة قصدت؟

 


 بقلم خالد الشطناوي

بعد نشر مقالتي السابقة «عن أي ثقافة تتحدثون؟»، قرأت التعليقات والرسائل التي وصلتني، وتابعت بعناية ما كُتب حولها من آراء ومناقشات. وجدت من قرأ الفكرة كما هي، ومن حاول أن يضيف إليها، ومن اختار طريقًا آخر فذهب يبحث عن أسماء وأشخاص بدل أن يتوقف أمام السؤال نفسه. وهنا أدركت أن المشكلة التي تحدثت عنها في المقال الأول ليست بعيدة كما يظن البعض، فحتى السؤال أحيانًا يصبح أكثر إزعاجًا من المشكلة التي يحاول كشفها.


لم تكن مقالتي السابقة محاكمة لأحد، ولم تكن بحثًا عن خصومة مع أي شخص يعمل في المجال الثقافي. لم أكتب لأهدم جهدًا، ولا لأقلل من قيمة تجربة، ولا لأطعن في أحد. كتبت عن واقع نراه، وعن مظاهر أصبحت تفرض نفسها حتى صار البعض يخلط بين الثقافة وبين الظهور، وبين القيمة وبين الشهرة، وبين الأثر الحقيقي وبين التصفيق المؤقت.


حين سألت: «عن أي ثقافة تتحدثون؟» لم أكن أبحث عن شخص خلف السؤال، لقد كنت أبحث عن معنى ضائع. كنت أسأل عن ثقافة تجعل الإنسان أكثر وعيًا، وأكثر تواضعًا، وأكثر قدرة على احترام الآخر. كنت أسأل عن ثقافة لا تتحول إلى زينة اجتماعية، ولا إلى لقب يسبق الاسم، ولا إلى حضور موسمي ينتهي بانتهاء الصور والكلمات المنمقة.


لقد أصبحنا نعيش زمنًا غريبًا؛ زمنًا قد يحصل فيه من يجيد صناعة الضجيج على مساحة أكبر ممن أفنى عمره في بناء المعرفة. أصبح بعض الناس يظنون أن الظهور دليل على القيمة، وأن كثرة الحديث دليل على العمق، وأن جمع المتابعين يعادل جمع الأفكار. وهنا لا أتحدث عن أفراد، أنا أتحدث عن ظاهرة جعلت بعض الأصوات العالية تغطي على الأصوات العميقة.


المشكلة ليست في وجود منصات جديدة أو وسائل حديثة للتعبير، فكل عصر له أدواته، المشكلة في أن تتحول الأداة إلى غاية، وأن يصبح البحث عن المشاهدة أهم من البحث عن الفكرة، وأن يصبح الإنسان منشغلًا بكيف يظهر أكثر من انشغاله بما يقدم.


هناك من يحمل لقب المثقف أكثر مما يحمل مسؤولية الثقافة، وهناك من يتحدث عن الفكر أكثر مما يمارس التفكير، وهناك من يطالب بالحوار ثم يغلق أبوابه أمام أي رأي لا يوافقه. مشهد مؤلم أن يصبح الاختلاف عند البعض إساءة، وأن يصبح النقد خيانة، وأن يصبح السؤال خطرًا يجب محاربته بدل الإجابة عنه.


الثقافة الحقيقية لا تحتاج إلى ضجيج حتى تثبت وجودها، ولا تحتاج إلى مبالغات حتى تقنع الناس بقيمتها. الفكرة القوية تقف وحدها، والعمل الجاد يثبت نفسه مع الوقت، أما المشاريع التي تعتمد على المظهر وحده فإنها قد تجذب الأنظار لحظة، لكنها لا تصنع أثرًا يبقى.


وقد قال بعضهم إن الثقافة أوسع من الكتاب والقراءة، وهذا صحيح. الثقافة ليست شهادة تعلق على الجدار، وليست عدد الكتب التي يضعها الإنسان في مكتبته، وليست مجموعة مصطلحات يستخدمها ليبدو أكثر معرفة. الثقافة أخلاق، ووعي، وسلوك، وقدرة على احترام الإنسان. قد تجد شخصًا بسيطًا يملك من الحكمة والرقي ما يجعله أكثر ثقافة من شخص يملك ألقابًا كثيرة ولا يعرف كيف يحاور أو يحترم اختلاف الآخرين.


لكن الحديث عن اتساع مفهوم الثقافة لا يعني أن نهمل العلم والمعرفة والقراءة. فالأمم لا تبنى بالانطباعات السريعة، ولا بالنصوص المختصرة التي تمر أمام العين ثم تختفي. بناء الوعي يحتاج إلى صبر، ويحتاج إلى قراءة، ويحتاج إلى عقول تبحث عن الفهم لا عن مجرد التفاعل.


ما يؤلمني أن بعض المشاهد الثقافية أصبحت أحيانًا أقرب إلى استعراض اجتماعي منها إلى مشروع فكري. كلمات كثيرة، وصور كثيرة، ومظاهر كثيرة، ثم يبقى السؤال: ماذا تغير؟ ماذا أضفنا؟ ماذا تركنا في عقل الإنسان بعد انتهاء المناسبة؟


الثقافة ليست حفلة عابرة، وليست تجمعًا لتبادل المجاملات، وليست سباقًا للحصول على المقاعد الأولى. الثقافة موقف طويل، وعمل مستمر، وقدرة على بناء الإنسان قبل بناء الصورة.


والأغرب أن بعض من يرفعون شعار تقبل الرأي الآخر، لا يتقبلون إلا الآراء التي تمدحهم. يريدون من الناس أن يصفقوا عندما يتحدثون، ثم يغضبون عندما يسمعون ملاحظة مختلفة. يريدون ثقافة بلا نقد، وفكرًا بلا أسئلة، وحوارًا بلا اختلاف. وهذه ليست ثقافة، فالثقافة التي تخاف من السؤال تشبه البناء الذي يخاف من الريح لأنه يعرف ضعف أساسه.


لم أكتب المقال الأول لأقول إنني أملك الحقيقة كاملة، فالكاتب الحقيقي يعرف أن أفكاره قابلة للنقاش والمراجعة. كتبت لأنني أؤمن أن الصمت عن الخلل لا يحل الخلل، وأن المجاملة المستمرة قد تكون أخطر من النقد الصريح، لأنها تمنح الوهم بأن كل شيء يسير في الطريق الصحيح.


أكرر مرة أخرى: لم أقصد شخصًا، ولم أهاجم جهة، ولم أبحث عن معركة. كنت أكتب عن فكرة، وعن واقع، وعن سؤال أراه مهمًا لكل من يحب الثقافة ويحرص عليها.


فالذي يحب الثقافة يدافع عن جوهرها. والذي يحترم الكلمة لا يخاف من مراجعتها. والذي يؤمن بالفكر لا يغلق الباب أمام الحوار.


وفي النهاية يبقى السؤال قائمًا:

عن أي ثقافة نتحدث إذا أصبح المظهر أهم من الجوهر، وإذا أصبح الصدى أعلى من الصوت الحقيقي، وإذا أصبح صاحب الضجيج أكثر حضورًا من صاحب الفكرة؟


الثقافة التي تستحق البقاء هي التي تصنع إنسانًا أفضل، لا صورة أجمل.


وللحديث بقية...

 

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology