بقلم رولا علي سلوم
قراءة في قصة " نبع الشباب" للطبيب الأردني الأديب " علي الخرشه"
السعي إلى الخلود، إكسير الحياة ... فكرة وجودية لطالما استهوت الإنسان منذ القدم .
وردت في الأساطير القديمة مثل ملحمة جلجامش، وقد أرّقت مسألة الحياة والموت جلجامش فسعى إلى الخلود من خلال النبتة المعجزة التي تعيد الشباب للإنسان، والتي أعطتها له زوجة أوتنابشتم
وجد جلجامش النبتة وقرر أن يجربها على شيخ لدى عودته إلى أوروك، وفي طريق عودته سرق ثعبان النبتة وأكلها وغير جلده واسترجع شبابه، فبكي جلجامش لسوء حظه وضياع مجهوده، ورجع خاوي اليدين إلى أوروك .
وعند عودته لأوروك، رأى جلجامش المدينة العظيمة والسور الذي بناه حولها وأدرك أن اسمه سيخلّد إذا كان حاكماً جيداً للمدينة العظيمة. في نهاية الملحمة، مات جلجامش وحزن سكان أوروك عليه لأنهم علموا أنه لن يأتي حاكم مثله أبداً. هكذا بقي اسمه خالداً حتى يومنا هذا.
هذا هو الخلود الحقيقي الذي أرادت الاسطورة إيصاله إلينا، فالخلود هو خلود الأعمال وليس الأعمار ...
لقد عالج الكاتب "علي الخرشه" في قصته " نبع الشباب" هذه الفكرة وذلك من خلال حدث ولج من خلاله إلى قصته . والحدث هو اختراع شاب لسائل لمجرد شرب ثلاث قطرات منه يحظى بالشباب والقوة ..
عالج الكاتب قصة الشاب وجدّته .. تحدث عن رغبة الشاب أن يستحوذ اهتمام الشيوخ في قريته، لاسيما أنه الطالب الحاصل على شهادته من بلاد أجنبية ..
استخدم الكاتب الطرفة في معالجة فكرته في القصة، الصراع بين الأجيال، جيل الحفيد " حيان" وجيل الجدة العجوز .. صراع الأفكار بين الاثنين ..
الشاب يقول نبع الشباب، والجدة تقول نبع الهباب، الشاب يقول نسكافيه، والجدة تقول نكسافيه .. الشاب لايعرف أصول ضيافة القهوة العربية ، والجدة تعرفها بدقة؛ فالضيافة لرئيس القوم أولا، ذي العباءة الشفافة، والذي يرفع رأسه كالنسر، ثم سكب القهوة في قعر الفنجان والاستمرار في سكبها حتى يهز له الشيخ الفنجان تعبيراً عن اكتفائه .. الشاب يمسك الدلة باليمين والفنجان باليسار، والجدة تريد العكس، الجدة تؤكد على أهمية الشيوخ في وصول المسؤولين إلى مناصبهم والشاب لا يعير لذلك أهمية بالغة ...
هكذا تؤثر العادات والتقاليد في تسيير حياة الإنسان، والجدة تعرف كيف تؤثر على الشيوخ في تقبّل اختراع حفيدها في حال لم يقتنعوا أو رفضوا اختراعه، كانت ستدخل عليهم نازعةً غطاء رأسها، ومن ثم تمتنع عن ارتدائه حتى يلبوا طلب حفيدها في قبول اختراعه .
هذه العادة في نزع غطاء الرأس هي نقطة ضعف أرادت الجدة أن تستغلها لإحراج الشيوخ كونها تتعلق بالعرض والشرف ..
ولعلّ هذا المجلس من الشيوخ، والذي قد يكون الجهل سمة يتصف بها أغلبهم إلا أنّه كان مصدر رعب وخوف لدى الشاب الحفيد " حيان"، فقد كان تأثيره أشبه بالمجلس الذي ناقش فيه رسالة الدكتوراه أمام مدّرسيه في جامعة واشنطن .. أما اختراع الشاب فقد كان عبارة عن سائل القطرة الواحدة منه تعمل على تصغيير الخلية الحيوانية عاماً كاملاً إلى زمن سابق له كان فيه أقوى .
عرض الشاب اختراعه على مجلس الشيوخ، ولكنهم لم يقتنعوا به، فدبّت الفوضى في المجلس، مما دعا حيّان إلى قول كلمة السر " وحدووووو" بينه وبين جدته لتدخل إلى المجلس منقذةً حفيدها ..لكنّ الجدة تأخرت ولم تدخل، فخرج الشاب ليتفقّد جدته، توجه إلى المطبخ بحثاً عنها، فإذ به يجد فتاة صغيرة في فمها لبان، تهز رجليها بطريقةٍ طفوليةٍ، عرف أنها جدته من خلال لباسها ومن خلال الوشم الأزرق أسفل ذقنها . فتح خزانة المطبخ ليُفاجأ بأنّ جدته قد شربت من السائل السحري الذي اخترعه، فصغرت وعادت إلى عمر الطفولة، والمفارقة أنّ الحفيد عندما لفظ عبارة " نبع الهباب" صفعته الجدة على خده لتصحح له العبارة بقولها : " نبع الشباب" بعدما كان الأمر يجري معاكساً قبل عودتها لسن الطفولة .
ثم إنّ الشاب سمع من قاعة مجلس الشيوخ هرجاً ومرجاً، فذهب ليتبيّن الأمر، فوجد أطفالاً يلعبون ويضربون بعضهم . لقد شرب الجميع من القهوة التي صنعتها الجدة، والتي احتوت قطرات من سائل " نبع الشباب" ..
بحث الشاب عن المختار، لم يجده، لولا معرفته من ثيابه التي كان يرتديها، لقد أصبح المختار طفلاً رضيعاً يبكي، دبّ الطمع فيه فشرب أكثر من غيره، ما جعله يعود إلى عمر الطفولة الأولى .
أخذه " حيّان" معه وذهب به إلى البلدية، ثم قام بختم اختراعه بختم المختار، ليصبح الختم فيما بعد لعبة بيد الأطفال الشيوخ، يختم كلٌ منهم جبين الآخر ...
ما الدلالة التي أرادها الكاتب من قصته ؟؟ هل أراد الحديث عن " سر الخلود عند الإنسان " ؟؟ أم طمع الإنسان في الحفاظ على وجوده من غير أن يهرم أو يشيخ أو يضعف (رضيعاً ؟؟
لقد شغلت هذه الفكرة " الخلود" الناس منذ القديم، فسعي الإنسان إلى تحقيقها سعي قديم وهو لايزال حتى يومنا هذا، وهانحن اليوم نرى بكثرة أعداد الفنانات اللواتي يغيرن أشكالهن تغييراً جذرياً، ويتصرفن وكأنهن في عمر الشباب الأول، حتى نكاد لانعرفهن أبداً، وكأنّ سنوات العمر عارٌ وعيبٌ .. لم يدركن فكرة الخلود الحقيقية، ولم يعرفن أنّ جمال الإنسان يكمن في أخلاقه وأعماله، وفي خطوط تجاعيد وجهه ويديه، لم يدركن أنّ لكل مرحلة من مراحل العمر جمالها وجاذبيتها وسحرها ..
تُرى هل ثقة الإنسان بنفسه هي التي تجعله يتقبّل ذاته كما هي ؟؟
أم أنه تصالح الإنسان مع ذاته ومحيطه هو السبب في قدرته على تجاوز هذا الأمر والنظر إليه على أنه أمر عادي لايستحق إيلاؤه تلك الضجة المزعجة ؟؟؟
شكرا للدكتور علي الخرشة على هذه القصة المتميزة بفكرتها حتى إنها طغت على اللغة والأسلوب ..
