همسات من العليّة ( مابعد منتصف الليل)

  


بقلم هيا برماوي


في ليلةٍ ماطرةٍ يقرعُ المطرُ زجاجَ النوافذ، صعدت إلى العليّة.

كان هناك سكونٌ هدأتْ معه كلُّ العواصف.

جالتْ بعينيها في الغرفة، فوقعَ نظرُها على ظرفٍ أسودَ مكتوبٍ عليه: "أنا بقربكِ"، وكان ملقىً بجانب قدميها.

انحنت لتلتقطه، فإذا بها تسمعُ ضحكاتٍ وهمساتٍ.

وكانت تأتيها من كلِّ مكانٍ جملةً واحدةً:


"عودي من حيث أتيتِ."


بدأت أنفاسها تتسارع، وشعرت وكأن الدم قد تجمّد في عروقها.


التقطت الظرف ويداها ترتجفان، ثم فتحته بحذر. كانت بداخله رسالة كُتبت بخطٍ مائلٍ مضطرب، وكأن كاتبها لم يعتد الإمساك بالقلم.


وفي اللحظة نفسها، شعرت بأنفاسٍ دافئة تلامس عنقها. التفتت بسرعة، فلم تجد أحدًا.


أعادت نظرها إلى الرسالة، وقرأت:


“أنا بقربكِ… في كل ليلة. أراقبكِ وأحرس نومكِ، وأخشى أن تري وجهي فتفزعي. لا تبحثي عني، فأنا خلفكِ وأمامكِ، وعلى جانبيكِ، دون أن تشعري بي. عودي من حيث أتيتِ… فهنا مساكنُنا، ولا أريد أن يصيبكِ أذى.”


ارتجفت أطرافها، وشعرت بحرارة جسدها ترتفع. حاولت أن تخطو نحو الدرج، لكن قدميها لم تعودا تحملانها.


وفجأة… انطفأت الأنوار.


ابتلع الظلام العليّة، ولم يبقَ سوى صوت المطر فوق السقف.


مدّت يدها تتحسس الجدار بحثًا عن مفتاح الإنارة، لكنها لامست شيئًا باردًا وخشنًا… لم يكن جدارًا.


تراجعت مذعورة، وفي اللحظة نفسها دوّى خلفها صوتُ شهيقٍ عميق، تبعته همسةٌ بالكاد سُمعت:


“لقد تأخر الوقت…”


عاد الضوء الخافت فجأة.


رفعت رأسها ببطء…


لم ترَ سوى ظلٍ طويلٍ ينسحب إلى زاوية العليّة، وعينين سوداويين تحدّقان بها من العتمة قبل أن تختفيا.


أطلقت صرخةً مزّقت سكون المكان، ثم سقطت مغشيًا عليها.


مع إشراقة الصباح، صعدت والدتها تبحث عنها، وما إن فتحت باب العليّة حتى دوّى صراخها في أرجاء المنزل.


هرع والدها إلى الأعلى، فتجمّد في مكانه.


كانت ابنتهما ممددة على الأرض بلا حراك.


عيناها مفتوحتان على اتساعهما، كأنهما ظلّتا تحدّقان في شيءٍ يفوق الوصف رعبًا.


أما فمها… فقد شُقَّ وخِيط بخيوطٍ سوداء على هيئة ابتسامةٍ مرعبة.


وفي يدها كانت الرسالة.


فتحها والدها بيدٍ مرتجفة، فلم يجد سوى سطرٍ واحد:


“أخبرتُكِ أن تعودي من حيث أتيتِ… هنا مساكنُنا. وقد علموا بحبي لكِ، فكان هذا عقابَنا.”


ساد الصمت.


ثم انبعث من إحدى زوايا العليّة صوتُ بكاءٍ خافت، أشبه بهمسٍ بعيد.


التفت الوالدان مذعورين…


لكن المكان كان خاليًا.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology