الانسحاب

 


الكاتبة: ميساء الزعبي

أحيانًا لا يكون الابتعاد هزيمةً ولا ضعفًا، بل قد يمثّل القرار الأجمل والأكثر شجاعةً، حين ندرك أن بعض التفاصيل لم تعد تشبهنا، وأن الأماكن التي مكثنا فيها طويلًا باتت تستنزف طاقتنا دون طائل. فالاستمرار في مكابرة البقاء أحيانًا لا يعدو كونه محاولةً فاشلةً لإنقاذ ما انتهى واقعًا منذ زمن بعيد.


الرحيل الناضج لا يصخب، ولا يحتاج إلى ضوضاء أو أبوابٍ تُقفل بعنف، ولا إلى كلماتٍ لاذعة نودّع بها مكانًا أو شخصًا. ويكفي تمامًا أن نمضي بهدوء، ونحن ندرك أننا حفظنا أنفسنا قبل فوات الأوان؛ أن نترك خلفنا ما يتعبنا، ليس لأننا تبلّدنا، بل لأننا شعرنا بالعمق الكافي، وصبرنا طويلًا، وحاولنا مرارًا وتكرارًا، حتى استنفدنا كل السبل.


تمرّ على الإنسان لحظات تصبح فيها سلامته النفسية وكرامته أغلى بكثير من إثبات موقفه، ويغدو الصمت أنبل بكثير من عتابٍ لا فائدة منه، والابتعاد أصدق من أي محاولةٍ مرقّعة لإصلاح ما انكسر تمامًا. وهنا بالتحديد، يتحول الخروج من باب الهروب إلى باب العودة إلى الذات.


صحيح أننا قد نحمل في طريقنا شيئًا من الشجن، أو أسئلةً معلّقة بلا إجابات، أو ذكرياتٍ ترفض المحو، لكن الأيام وحدها كفيلة بأن تعلّمنا أن التقبّل أحيانًا يكون أعمق وأجدى من النسيان ذاته، وأن ما ظننّاه يومًا نهايةً مأساوية، قد يكون البداية الحقيقية لسلامٍ داخلي طال انتظاره.


الانسحاب الحقيقي هو أن تختار نفسك حين تشعر أن بقاءك بات عبئًا يؤذيك؛ أن تسحب ما تبقّى منك وتمضي خفيفًا، دون رغبةٍ في الثأر، ودون انتظار اعتذارٍ من أحد، ودون التفتيش عن شعور الندم في عيون الآخرين.


ربما تغيب عنا الحكمة من الرحيل ساعة الوداع، لكن تقلّبات الأيام تكشف لنا بوضوح ما غاب عنا وسط زحمة الألم، لنلتفت يومًا إلى الوراء، ونحمد الله أننا امتلكنا شجاعة الانعتاق في الوقت المناسب.


فبعض النهايات تقع لا لأننا أخفقنا، بل لأن الطرق لم تكن مخصّصة لنا من الأساس. وحين نختار الرحيل بسلام، فإننا نفتح نوافذ جديدة لترتيب تفاصيل حياتنا، ونمنح قلوبنا فرصةً حقيقيةً للتنفس.


نرحل واثقين بأن كرامة المرء تكمن تمامًا في معرفة الأشياء التي يجب عليه تركها في اللحظة المناسبة.


إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology