نصوص على حواف التجنيس



  

 رؤية نقدية بقلم منال العبادي

تمثل مجموعة "من الأعماق" (2020) للأديب هارون الصبيحي عملاً أدبياً فريداً في بنيته وشكله، حيث يقدم الكاتب نصوصاً ومضية قصيرة تقف على حدود الأجناس الأدبية، متداخلة بين القصة القصيرة جداً والحكاية الفلسفية والقصيدة النثرية والمشهد الدرامي المصغر، في ممارسة لما يمكن تسميته "كتابة الحدود" التي تذيب الأجناس في بوتقة تعبيرية واحدة، وتضعنا أمام إشكالية نقدية تتعلق بكيفية قراءة نصوص تختزل العالم في مشاهد خاطفة، وكيفية تقييم عمل يمتلك هذه الخصوصية الفنية. ويتجلى التكثيف كأبرز سمات هذه النصوص على مستويات متعددة، فهو تكثيف للزمن كما في نص "توقيت" الذي يختصر رحلة عمر كاملة في ثلاثة أسطر تتحول فيها الحياة إلى رمز من أبواب ونوافذ وجدران، وتكثيف للمكان كما في نص "نظرات" حيث تتكثف الوجود الإنساني بأكمله في غرفة واحدة تتحاور فيها الجدران والأرض والسقف والستائر، وتكثيف للمعنى كما في نص "قيمة" الذي يختزل أعمق القيم الإنسانية في مشهد عابر لعجوز مشردة تنهر صاحب كلب خوفاً عليه من البرد، هذا بالإضافة إلى تقنية الحذف المكثف التي تعتمد على ترك مساحات بيضاء للقارئ ليملأها بتأويلاته. ويتميز أسلوب الكاتب بالاقتباض أو الإيجاز المدهش، ويتجلى ذلك في الدقة المتناهية في انتقاء المفردات بحيث تبدو كل كلمة محسوبة ومختارة بعناية دون حشو أو تكرار، كما في جملة "قُطعتا في الحرب الأهلية" التي تحمل تاريخاً من الألم، وفي الصور المركزة كصورة الطفل يضع شطيرته في يد تمثال الزعيم، وفي الحوار المكثف الذي لا يتجاوز جملة أو جملتين لكنه يحمل أبعاداً درامية ونفسية عميقة كما في همس العاشق "ليتك لم تخرجي من الصورة". وتأتي القفلة المدهشة أو الخاتمة الصادمة لتكون السمة الأكثر تميزاً في هذه المجموعة، حيث تنتهي معظم النصوص بنهايات غير متوقعة تقلب المعنى وتفاجئ القارئ، محققة وظائف متعددة تتمثل في المفارقة الدرامية كما في نص "ذهول" الذي يكشف أن الابنة ماتت قبل ثلاث سنوات، والمفارقة الساخرة كما في نص "لقاء" بصرخة "لا تستعملني مرة أخرى في أحلامك"، والصدمة الفلسفية كما في نص "نتيجة" الذي يطرح إشكالية أخلاقية حول علاقة الأدب بالواقع، وقلب المعنى كما في نص "حَيْرة" حيث تنقلب علاقة الحب إلى رعب وجودي باكتشاف شخص آخر في بؤبؤ عيني القطة. وتتسم النصوص ببنية رمزية تعتمد على تحويل الأشياء العادية كالجدران والنوافذ والأبواب والقفص والمرآة والتمثال إلى دلالات إنسانية وسياسية ووجودية، وبالتجريب اللغوي الذي يكسر الأنساق المألوفة من خلال جمل قصيرة إيقاعية ذات نبرة شعرية واضحة، وبالتشخيص أو الأنسنة التي تمنح الجمادات حياة ومشاعر وإرادة، وبالتوازي التركيبي الذي يخلق إيقاعاً داخلياً كما في تتالي جملة "لا أحد" في نص "نتيجة"، وبالمزج بين نبرة الحزن العميق والسخرية اللاذعة التي ليست هزلية بل صرخة ألم متوارية خلف القناع الساخر. 

وتدور الثيمات المحورية حول التهميش والفقدان الذي يكاد يكون العصب المركزي للمجموعة بصوره المتداخلة للفقراء والمشردين والأيتام وضحايا الحرب، والحرب والدمار بأشكالها المختلفة ليس فقط كحرب تقليدية بل كحرب على الروح والطفولة والأحلام، والاغتراب الوجودي حيث يبدو الإنسان غريباً في عالمه وفي بيته وفي جسده وفي صورته، والعلاقة بالأبوية والسلطة التي تظهر في صور متعددة كالزعيم والرئيس والدولة والقوانين وكأنها تمثال جامد لا يستجيب لصرخات البشر، والبحث عن المعنى حيث يصطدم الإنسان بالجدران أو يقفز من النوافذ أو يكتشف أنه يعيش في قفص. وتتمثل نقاط القوة في الجرأة في الشكل بتجاوز حدود الأجناس الأدبية التقليدية، والقفلات المدهشة التي تمنح النصوص قوة صادمة ومؤثرة، والتكثيف البليغ حيث كل كلمة تؤدي دوراً درامياً وفنياً، والرمزية العميقة التي تتيح تأويلات متعددة، والنبرة الصادقة التي تجعل القارئ يشعر بواقعية الألم، والجرأة في الطرح النقدي للواقع الاجتماعي والسياسي، والتنوع الموضوعي رغم وحدة الرؤية العامة. 

لكن توجد بعض الملاحظات على النصوص كالغرابة المفرطة في بعض النصوص التي قد تجعلها عصية على الفهم أحياناً، وتضحية بعض النصوص بالعمق لصالح الإدهاش في حالات قليلة، وتكرار بعض الصور الرمزية كالقفص والجدران، والحضور الغائب للمرأة التي تظهر غالباً كرمز أو حلم أو صورة نادراً كشخصية مستقلة، والميل إلى التشاؤم المطلق الذي قد يخلق انطباعاً أحادياً عن العالم.

 وانا أرى أن هذا العمل يستحق الدعم بلا تردد لعدة اسباب ومنها القيمة الفنية والأدبية المتمثلة في أسلوب ناضج وتكثيف محكم وقفلات مدهشة، والأصالة والحداثة في تقديم رؤية جديدة تجمع بين التراثي والمعاصر والمحلي والعالمي، والقيمة الإنسانية التي تنحاز للإنسان وللفقراء والمهمشين وضحايا الحرب وتذكرنا بأن الأدب رسالة قبل أن يكون متعة، والقيمة الوطنية التي تبقى منحازة للوطن وللإنسان الوطني رغم النقد الاجتماعي والسياسي، والقيمة التاريخية التي تسجل لحظة تاريخية ونفسية واجتماعية وتقدم شهادة جمالية على واقع عاشه الناس وعانوه، والجرأة الأدبية النادرة التي لا تخلو من مخاطرة وتدفع الأدب إلى الأمام، والإتقان الفني الذي يظهر وعياً فائقاً بالتقنيات الأدبية وحساسية لغوية عالية لا يملكها إلا مبدع حقيقي. كما أن النصوص تميزت  بالتكثيف اللغوي والصور الرمزية والقفلات الصادمة، والفكرية المتمثلة في الرؤية الفلسفية العميقة التي تطرح أسئلة وجودية واجتماعية وسياسية، وإنسانية والتي بدورها تنحاز للإنسان مع خلق توازن بين النقد والأمل والسخرية والحزن. 

وتميزت المجموعة بتقنياتها الفنية، والجرأة والأصالة التي تمنح العمل صوتاً خاصاً ورؤية فريدة لا تخاف من التعبير الصادق، لذلك



النصوص بقلم الأديب هارون الصبيحي 



تأثير

بحث رسام مبدع عن ابتسامة طبيعية وسط هذا العالم المثقل بالهموم

وجدها على شفتي طفلة

رسمها بدقة متناهية

لوحة أبهرت الناس بروعتها، وذاع صيتها

عندما دخل السيد الرئيس وضيوفه المعرض لرؤية اللوحة...

كانت الطفلة تبحث عن ابتسامتها.


توقيت

بعد عشرين عاماً أدركت أني لم أفتح باباً قط.

كنت دائماً أقفز من النوافذ

عندما حاولت أن أتغير، لم أجد إلا الجدران.


ذهول

أيقظتني ابنتي بعد منتصف الليل لتخبرني أن الحرب قد انتهت

قفزت من فراشي وقبّلت جبينها

أسرعت إلى فتح التلفاز على قناة الأخبار، وأنا أردد: لا حرب بعد اليوم...

صمت المذيع وحدّق في وجهي بذهول

صرخت...

تذكرت أنها ماتت أثناء القصف قبل ثلاثة أعوام!


لقاء

أنا دميم الخِلقة

لم تقبل بي امرأة جميلة، ولا حتى متوسطة الجمال، أبداً

دائماً كنت أسأل: ما ذنبي..؟

ذات يوم رأيت حسناء في الحديقة

يا الله! هي تشبه من أحلم بها كل يوم

لا..لا، بل هي

نظراتها كانت تقول لي: اقترب مني

دق قلبي بقوة، سرت رعشة في روحي، كدت أطير من الفرح

وقفت أمامها

صرخت في وجهي:

لا تستعملني مرة أخرى في أحلامك.


 نتيجة

في الوطن يعيش إنسان معدم

لا أحد يكلمه

لا أحد يرسل له رسائل

لا أحد يشاركه تناول الطعام

لا أحد يفكر فيه.

لا أحد يحبه.

عندما جعلته بطلاً لروايتي، فزت بجائزة كبرى في الأدب، وتم تكريمي من القيادة في احتفال كبير، تقلدت فيه وساماً، وأصبحت أديباً مشهوراً يُشار إليه بالبنان...

أما هو، فقد بقي:

لا أحد يكلمه.

لا أحد يرسل له رسائل.

لا أحد...


نظرات

داخل غرفتي، وفي ساعة متأخرة من الليل

الجدار ينظر إلى الجدار المقابل ويحسده على النافذة في جسده التي تطل على الحديقة

الأرض تنظر إلى السقف وتتحسر، وتتمنى لو كانت سقفاً لا تدوسها الأقدام

الستائر تشعر بالبرد وتتمنى أن ينتهي فصل الشتاء

السقف يشعر بهم ويطالبهم بالقناعة

وحده الباب كان ينظر في المرآة ويضحك عندما يقرأ خرابِيشي على جسده.


 كائن حي

الولد اليتيم يبدو كهيكل عظمي

وجهه شاحب

ملابسه مجعّدة، وحذاؤه مثقوب

يمشي بخطوات متعثرة في طريقه إلى المدرسة

في امتحان مادة الأحياء، حصل على العلامة الكاملة.


 حَيْرة

القطة السوداء تتبعني كلما خرجت من البيت

ربما هي تحبني

الآن نحن وحدنا

نقف وجهًا لوجه

لكني رأيت في بؤبؤ عينيها شخصاً آخر!

 

الفارس

رغبته نار تشعل حطب غيرته

يريد أن يصبح رجلاً ذا مكانة مرموقه

ذات ليلة لم ينم من كثرة التفكير. نظر في المرآة وتأمل وجهه...

تساقطت الدموع من عينيه

 تذكّر عنترة بن شداد.

قرر أن يصبح فارساً وشاعراً مثله.

بعد أعوام ذاع صيته زعيماً للزعران!


 البطل

تجاوز العدّائين الأمريكيين والأوروبيين بسهولة

وأذهلهم بسرعته في الركض، محققاً رقماً قياسياً جديداً

بعد أن تسلّم الميدالية الذهبية، تجمع حوله الصحفيون

سأله الصحفي الأمريكي:

منذ متى بدأت الركض؟

ضحك، ودمعة تتدحرج على خده، وقال:

بدأت الركض مذ كنت طفلاً

أول مرة ركضت بسرعة خارقة كان عمري خمسة أعوام، ومع أمي هرباً من قصف طائراتكم...

وكنت أركض بعد أن أسرق الخبز والخضار لتأكل أمي المريضة وإخوتي الصغار

وتابعت الركض شاباً هرباً من أجهزة الدولة...

وركضت خلف فتاة عشقتها

وبعد أن تزوجت، كنت أركض نهاراً وليلاً خلف لقمة العيش

في وطني ملايين الأبطال في الركض.


 قيمة

توقفت السيارة

ترجّل منها شخص...

أطل رأس كلب من نافذتها

العجوز المشردة الجالسة على الرصيف نهرته وهي ترتجف من البرد:

(الجو بارد، فوّت رأسك، لا تمرض)


تجارة

تكره السمنة

تريد أن تكون رشيقة كغزالة، وجميلة كالقمر

دفعت الكثير من المال على عمليات التجميل

وحققت أمنيتها بالزواج

من المليونير العجوز ذو الكرش المنتفخ والجسد المترهل!


 فجر

صاح الديك

لم يصحُ أحد

استشاط غضباً

كرر الصياح مرات عديدة

استيقظ أحدهم بنشاط وهمّة، وأطلق عليه الرصاص.


مُفاجأة

بعد منتصف الليل

العجوز المشرد يرتجف من البرد

يمشي بخطوات متعثرة

يتأمل الشارع الفارغ، ويركل علبة فارغة

يتساءل بحنق:

لماذا تركوني وحيداً؟

زلزال يهز الأرض...

بعد دقائق كان حوله مئات الناس يرتعشون.


 رؤية

كانت تريد أن تغيّر شكل أنفها الكبير لتتغير النظرة إليها

طموحها أن تقهر الواقع

نجحت العملية

دخلت في واقع آخر

لكنها لم ترَ أبعد من أنفها الصغير الجميل.


اهتمام

فضيحة.. فضيحة...

هكذا كان يصرخ بائع الصحف

تجمع الناس حوله

الكل على الرصيف يقرأ...

بعد نصف ساعة رأيت ذلك المتسول الكفيف في ركن منعزل يقرأ!


ثقافة

فضيحة.. فضيحة...

هكذا كان يصرخ بائع الصحف

تجمع الناس حوله

كل من على الرصيف يقرأ...

بعد دقائق سمعت السائح الأجنبي يقول:

هذا شعب مثقف.


 فارق

سألته، بعد أن ضاقت ذرعاً بالأمر:

لماذا تحدّق في صورتي طويلاً؟

أجابها بصوت قادم من الماضي:

أحبك

ضحكت بغرور وهي تقول:

شيء طبيعي أن تحبني

همس وعيونه تدمع:

ليتك لم تخرجي من الصورة.


 صلاحية

فشلت بنات أفكاره في إنتاج بطل لروايته الجديدة

بحث في الكتب القديمة عن بطل

أعجبه فارس مغوار يحارب بالسيف...

أركبه حصان سرده

سقط ميتاً في الصفحة الخمسين برصاصة لص تافه.


 قرار

عندما سمع صراخ زوجته وهي تتشاجر مع الجارة، لم يُحكم إغلاق باب القفص...

فكر العصفور والعصفورة في الهرب ومعانقة الحرية

لكن العصفورة نظرت إلى البيضة وقررت ألا تهرب

وبعد ذلك دار حوار عاصف بينهما، حول ما إذا كان قرارهما السابق بإنجاب فرخ داخل القفص صائباً أم لا.


مذهل

مساء ربيعي رائع

العصافير على أشجار الرصيف تغرد

ما أجمل تغريدها!

لكن عصفوري الذي على الشرفة، ومن داخل القفص، أطرب كل الحي!


 قصة حب

حبي عظيم جداً

كل ليلة يسافر بي بعيداً...

ويلهمني لكتابة أجمل القصص وقصائد الشعر

أركض خارج صقيع العالم

وأطير وأحلّق وأبكي وأصرخ وأضحك و...

نعم، أفعل هذا وأكثر.

وما أروع الحب حين يموت من تحب.


 صدمة

صرخت بجنون

ستسقط... ستسقط...

الطفلة من نافذة الطابق الخامس في المبنى الحكومي

ستموت وتحترق عليها القلوب

أنا قريب منها...

أستطيع أن أنقذها

أشدها من جدائلها وأضمها إلى صدري

لكن لا يدين لي!

قُطعتا في الحرب الأهلية...


 رعب

لم يأكل الطفل شطيرته

وضعها في يد تمثال الزعيم المنتصب في الساحة العامة

بعد منتصف الليل كان هناك مشرد يتضور جوعاً، وهو ينظر إلى الشطيرة دون أن يجرؤ...


خطأ

المهرج فعل مثل كل ليلة، لكن الجمهور لم يضحك

ابتكر حركات جديدة، دون جدوى

عندما رفع يده ليمسح دمعة توشك أن تسقط، اكتشف أنه نسي أن يرتدي القناع.


 التباس

ذلك الطفل، والده مغنٍّ وأمه سيدة متدينة

بعد أن أكمل الترنم بكلمات الأغنية الهابطة قال:

صدق الله العظيم.



 إعلام

جلسوا أمام تمثال الجندي المجهول يستمعون إلى الخطابات التي تمجده وتدعو له بالرحمة...

حدث ذلك بعد حملة إعلامية كبرى للتذكير بالبطولة والأبطال...

على بعد أمتار، كانت دمعة تتدحرج على خد جندي وهو يفكر في إيجار بيته المتراكم...

هارون (من الأعماق)

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology