الكاتبة نور مدحت المنصوري
لم أعد أخاف من الأشياء التي كسرتني؛ أخاف فقط أن أنسى كيف كنت قبلها.
ثمة خيبات لا تأتي لتغادر، بل تأتي لتعيد ترتيب الإنسان من الداخل. تزيح أشخاصًا من أماكنهم، وتُسقط أوهامًا كانت تبدو راسخة كالجدران، ثم تتركك وحيدًا أمام مرآتك، تسألك بصمت: من أنت الآن؟
كنت أظن أن القوة هي ألا نبكي، وأن النجاة تعني أن نعبر الأيام بوجه لا تفضحه الشقوق. ثم علّمتني الحياة درسًا أكثر قسوة ورحمة: ليس القوي من لم ينكسر، بل من عرف كيف يحمل قلبه المكسور دون أن يحوّله إلى حجر.
لقد بكيت، نعم. وارتبكت، وتعلّقت بأشياء كان ينبغي أن أتركها مبكرًا، وطرقت أبوابًا لم تكن تريد أن تُفتح. من قال إن الإنسان لا يخطئ حين يحب؟ نحن لا نُخطئ لأننا ضعفاء، بل لأن فينا جزءًا يصدق أن النوايا الطيبة تستطيع أن تغيّر كل شيء.
لكنها لا تستطيع.
فبعض القلوب، مهما أحببتها، لا تعرف كيف تحافظ عليك. وبعض الطرق، مهما مشيت فيها طويلًا، لا تقود إلى المكان الذي حلمت به. وبعض الأبواب لا تُغلق لأنك غير جدير بالدخول، بل لأن وراءها حياة لم تُكتب لك.
وهنا يبدأ النضج الحقيقي: حين تتوقف عن سؤال الغائبين لماذا رحلوا، وتسأل نفسك لماذا بقيت طويلًا في مكانٍ كان يؤلمك.
حينها فقط، تكتشف أن الخسارة ليست دائمًا فقدان شخص؛ أحيانًا تكون استردادًا لنفسك.
هناك لحظة خفية لا يراها أحد، يتبدل فيها شيء عميق فينا: لحظة نكفّ فيها عن استجداء التفسير، وعن انتظار الاعتذار، وعن تعليق أعمارنا على موعدٍ قد لا يأتي. نكتشف أن الكرامة ليست قسوة، وأن الرحيل ليس دائمًا هزيمة، وأن اختيار النفس بعد سنوات من استرضاء الآخرين ليس أنانية.
في تلك اللحظة، لا نرفع راية الانتصار، ولا نعلن أننا تجاوزنا كل شيء؛ فقط نمشي بخفةٍ أكبر، ونترك خلفنا ما أثقل الروح. نعرف أن العمر أضيق من أن نهبه لمن يجعلنا نشك في استحقاقنا للحب، وأثمن من أن نقضيه واقفين أمام أبوابٍ لا تُفتح.
أصبحت أعرف أن الإنسان لا يحتاج إلى قلب جديد كي يبدأ من جديد؛ يحتاج إلى قلبه القديم، بعدما يتعلم كيف يحبه. يحتاج أن يصالح ملامحه التي أتعبها الانتظار، ويديه اللتين ظلّتا ممدودتين نحو ما لا يعود، وأحلامه التي خافت طويلًا من الفشل.
أنا لا أريد حياة بلا ندوب. أريد حياة لا أخجل فيها من ندباتي.
فالندبة ليست عارًا على الجسد، ولا وصمةً في الروح؛ إنها سطر كتبته الأيام على هامش الحكاية، ليقول إن هذا الموضع مرّ به الألم، لكنه لم ينتصر.
ولست اليوم المرأة التي كانت قبل كل تلك الخيبات. وهذا ليس أمرًا أحزن عليه.
لقد أخذت مني الحياة أشياء كثيرة، لكنها، في المقابل، أعادت إليّ شيئًا كنت أظنه ضاع إلى الأبد: أنا.
ومنذ أن عرفت قيمتي، لم أعد أبحث عن يدٍ تنقذني من الغرق؛ صرت أتعلم السباحة.
وربما هذه هي الحكاية كلها: أن نصل يومًا إلى الجهة الأخرى من القلب، فنجد أننا لم نكن نبحث عن أحد… كنا نبحث عن أنفسنا.
