أنا في انتظارك.. أما آن للغائب أن يعود؟

  


بقلم هيا برماوي


نظرتُ حولي بتعجّب؛ لقد غفوتُ على كرسيّ الهزاز بجانب النافذة. 

شعرتُ بطقطقةٍ في عظامي وتعبٍ واهنٍ ينساب في أطرافي. 

ألقيتُ نظرةً على الساعة: إنها الثانية عشرة بعد منتصف الليل.. هذا يعني أنني غفوتُ منذ العاشرة على هذا الكرسي الذي شلّ حركتي.


نهضتُ بثقلٍ وإرهاق، ولم تعد بي رغبةٌ في النوم. قصدتُ دورة المياه، وغسلتُ وجهي عدة مرات، ثم خرجتُ نحو المطبخ لأعدّ قهوتي. 

وما هي إلا دقائق معدودة حتى توجهتُ إلى "الجرامافون"، وأدرتُ مقطوعة كوكب الشرق "أنا في انتظارك".. 

المقطوعة التي لا أملّها أبدًا.


انبعث صوت أم كلثوم في أرجاء الغرفة ليزيدها دفئاً وهدوءاً، فتنهدتُ وقلتُ بضيق: إلى متى سأبقى في انتظارك؟! هل تظن أن العمر يتسع لكل هذا المدى حتى أنتظرك لأكثر من خمسة عشر عاماً؟! 

أما آن للغائب أن يعود؟!


لم يكن غيابك غربة جسد، بقدر ما كان اغتراباً في الروح والمشاعر.. أما آن لي أن أستمع إلى مقطوعة أخرى لأم كلثوم؟ أم كُتب عليّ أن أردد "أنا في انتظارك" بقية عمري؟!


ها أنا ذا ما زلتُ على العهد.. أنتظرك أنا وأم كلثوم وقهوتي.


في آخر مرة أرسلتُ إليك، أخبرتك أنني لم أعد أقوى على احتمال الشوق والفراق، 

فرجعتَ تقول إن القدر كان أقوى منا وفرّقنا. شعرتُ حينها أنك قد مللتَ الانتظار، وأنك ستسلك طريقك مع غيري. 


لم أستطع الرد على رسالتك.. لم أقوَ على ذلك. هل كنتُ سأرسل لأقول إنني أحللتُك من عهدٍ قطعه كلانا في يومٍ كان شاهداً على عمق حبنا؟!


 أم أدعوك لتمضي وتتزوج بأخرى وكأن شيئاً لم يكن، 

وأنا التي أبكيك في كل ليلة وكل حين؟!

لكنني كنتُ سأفعلها ذات يومٍ لا محالة.. 


كنتُ سأقول: هذا يكفي، انتهى كل شيء!

إلى أن جائتني رسالتك الأخيرة تقول فيها:


إلى حبيبة القلب والفؤاد.. إلى من عشقتها بكل كياني وإحساسي، إلى من سكنتني دون غياب.


أبكيكِ كل ليلة، أبكي محبوبتي التي أبعدوني عنها قسراً وظلماً. 

أذكر طفولتنا معاً، أذكر كل تفاصيلك وما تحبين، أذكر شغفكِ بالقراءة جيداً؛ حين أهديتكِ أول كتاب قرأتِهِ، ولا أنسى سعادتكِ يومها وانتِ تقفزين بشغفٍ طفوليّ ساحر.


أذكر كل ما تحبين هناك: قهوتكِ المفضلة بالحليب، وأيس كريم الشوكولاتة بنكهتكِ الأحب. 


هل اشتقتِ إليّ كما اشتقتُ إليكِ؟ 

هل أضناكِ الفراق كما أضناني؟ هل تلومينني يا حبيبتي على هجرانٍ قسريّ كان والدكِ سببه؟ 


ألا تعلمين كم تقدمتُ لطلب يدكِ، وكان في كل مرة يرفضني بطريقةٍ أشد قسوة من سابقتها؟


لقد كان والدكِ مستبداً لا يهمه في هذه الدنيا سوى المال. 

علمتُ أنه توفي منذ شهر، فسامحيني لأنني لم أكن أعلم ولذا لم أراسلِكِ قبل الآن.. ورغم كل ما فعله بنا، لا يسعنا إلا أن نقول: رحمه الله.


أنا الآن أعدّ أوراق نقل عملي إلى وطننا، 

لأعود إليكِ بعد هذا العمر الطويل من الفراق.. 


سنتزوج يا حبيبتي، فلم يعد هناك ما يمنعنا. 


أنا متأكد أنكِ ما زلتِ على العهد تنتظرينني؛ فلم يكن حبنا يوماً حباً عادياً. 

أحببتُكِ منذ طفولتنا، وقضينا معاً سبعة أعوامٍ من العشق، ولم أكن أعلم أن الفراق سيكتنف نهايتنا.


ها أنا اليوم حسمتُ أمري، وسأعود إليكِ في أقرب وقت."


أغلقتُ الرسالة وتنهدتُ بأسى.. لقد مرت على هذه الرسالة عدة أشهر،

 لكنه لم يرسل بعدها، ولم يعد حتى الآن.


نهضتُ واستلقيتُ في سريري بأرقٍ وتعب، إلى أن غططتُ في نومٍ عميق، لأستيقظ بعدها على أصداء أم كلثوم وهي تغني: "أنا في انتظارك"..

وفجأة.. علت طرقاتٌ على الباب.


شعرتُ بقلبي ينقبض، وارتعشت أطرافي. 

توجهتُ نحو الباب بعيونٍ ناعسة مُتعبة، فتحته بهدوء.. 

فرأيته شاخصاً أمام عيني! رأيته كما هو، وكأن سنين العمر قد عبرت من خلاله دون أن تمسّ جوهره؛ 

شعره الأسود المنسدل بطريقة جليلة وغير مرتبة، عيناه البنيتان، وبشرته الحنطية.. 

كان يرتدي معطفاً أسود، وحول عنقه وشاح يقيه برد يناير.

تساقط المطر بغزارة فوق شعره الأسود. 

عرفتُه من النظرة الأولى بعد غيابٍ دام خمسة عشر عاماً!


تنهد وهو ينظر إليّ وقال: "أنا في انتظارك!.. أنا متأكد أنكِ قد مللتِ هذه المقطوعة."

ثم أردف بصوته العذب: "ألن تدعيني لإحتساء القهوة؟"


أومأتُ له من بين دموعي دون أن أنطق بكلمة، وتنحيتُ عن الباب. 


دخل بهدوء، وتوجه مباشرة إلى الجرامافون؛ أوقفه، ثم أدار مقطوعة "سيرة الحب".


نظر إليّ وقال: "هذه أجمل، أليس كذلك؟"


ثم فتح ذراعيه لي.. فركضتُ نحوه وارتميتُ في أحضانه أبكي بنحيبٍ دافق، 

وهو يربت على كتفي 

ويهمس: "لقد عدتُ يا حبيبتي.. لقد انتظرتُ هذه اللحظة عمراً بأكمله. 

لا دموع بعد اليوم."


مسح دموعي بكفيه وقال: "أقسم لكِ أنني سأعوضكِ عن كل تلك الأيام، 

ولن أسمح لكِ بالغياب عن عيني للحظة واحدة.. اليوم أنتِ حبيبتي، ومُلكي، وكل ما أملك."


وعلى أصداء  سيرة الحب ، انزاحت غيمة خمسة عشر عاماً من الانتظار، لتبدأ أخيراً حكايتنا التي لم تُكتب للنهاية..


وفي تلك الليلة، أدركتُ أن الدفء لم يكن فقط في صوت أم كلثوم ولا في فنجان القهوة، بل في اليدين اللتين مسحتا أثر خمسة عشر شتاءً من الجفاء."


أغلقتُ أبواب الانتظار إلى الأبد، واحتضنتُ القَدَر الذي طالما تأخّر، ولكنه أتى.."

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology