مصر.. حين تذكّر الوجودُ اسمه الأول

 


أتيتُكِ…محمد فتحى السباعي


لا كمن يصل إلى وطن، بل كمن يعود إلى شيءٍ كان يسكنه قبل أن يعرف الطريق.

كان النيلُ أولَ ما رأيتُ، فشعرتُ أن الماء ليس ماءً هنا، وأن النهر يحمل في جريانه ذاكرةً أقدم من الكلام.

مصر…

حين أنطق اسمكِ أشعر أن الحروف تخلع أعمارها، وتعود طفلةً تتعلم للمرة الأولى كيف تقول: أنا.

يا أرضًا لم تبدأ حين وُلد التاريخ، بل ربما كان التاريخ هو الذي بدأ حين وطئت قدما الإنسان ترابكِ.

هنا لم يكن الحجر حجرًا.

كان سؤالًا.

وكانت اليد التي رفعته تقول للزمن: لن تأخذ منا كل شيء.

فبنى الإنسان فيكِ ما يشبه الحلم حين يرفض أن يموت.

الأهرام…

ليست قبورًا فقط، إنها احتجاجٌ هائل على فكرة الفناء.

حجرٌ فوق حجر، حتى يصبح الموت أصغر من أن يهزم ذاكرة الإنسان.

وفي المعابد كان الصمت أكثر بلاغة من الخطب، وكانت الأعمدة تصعد نحو السماء كأن الأرض تتذكر أصلها.

يا مصر…

يا التي عرفتِ أن الحضارة لا تبدأ حين يكثر الذهب، بل حين يعرف الإنسان قيمة العقل، وقداسة العمل، ومعنى أن يترك للذين يأتون بعده شيئًا يستحق أن يُروى.

فيكِ كان القلم أداة نجاة، وكانت الكتابة محاولة الإنسان الأولى كي لا يضيع صوته في غابة الزمن.

وفيكِ كان الطب محاولةً لإقناع الجسد أن الحياة تستحق أن تُمنح فرصة أخرى.

وكان الفلك عينًا بشرية ترفع رأسها إلى السماء ولا تخاف اتساعها.

حتى النيل…

لم يكن نهرًا فقط.

كان موعدًا.

كان وعدًا يتكرر، أن الأرض يمكن أن تموت قليلًا ثم تعود.

وأن الجفاف ليس الكلمة الأخيرة.

وأن الحياة تعرف دائمًا من أين تبدأ.

مشيتُ في شوارعكِ فلم أشعر أنني أمشي فوق أرضٍ واحدة.

كنتُ أمشي فوق طبقات من الزمن؛ فرعون يمر بجانبي، وفلاح يزرع، وصانع يطرق الحديد، وطالب يحمل كتابه، وأمّ تفتح نافذة الصباح، وطفل يركض خلف حلمه.

كلهم كانوا مصر.

كلهم كانوا يقولون للزمن: لسنا عابرين.

يا مصر…

أنتِ لا تحفظين الماضي في المتاحف فقط.

أنتِ تحملينه في ملامح الناس، في لهجة البيوت، في رائحة الخبز، في ضحكة الأطفال، في يد العامل، وفي عيون أمّ تنتظر ابنها عند الباب.

ولهذا فإن حضارتكِ ليست ما تركه الموتى لنا فقط،

بل ما نتركه نحن للذين لم يولدوا بعد.

وهنا يبدأ السؤال الأصعب:

ماذا سنترك؟

هل نترك لهم مبانيَ أكثر؟

أم نترك إنسانًا أكثر قدرة على أن يكون إنسانًا؟

هل نترك لهم حكاية عظيمة عن مصر، أم نترك لهم مصرًا عظيمة تستحق الحكاية؟

يا أمَّ الدنيا…

لستِ ذكرى نعلقها على جدار.

أنتِ مسؤولية.

كل جيل يأتي إليكِ يحمل في يده قلمًا جديدًا ليكتب سطرًا في كتابكِ القديم.

فلا تخوني الحلم الذي بدأ منذ آلاف السنين.

ولا تجعلي الماضي مقبرةً للمستقبل.

اجعلي النيل يمضي إلى غده، واجعلي الطفل الذي ينظر إليه الآن يعرف أنه ليس مجرد عابر على ضفاف التاريخ.

إنه القادم.

إنه الذي سيكتب الفصل التالي.

مصر…

يا ذاكرةَ الوجود الأولى،

ربما لم تأتِ الحضارة إليكِ يومًا.

ربما كانت الحضارة تبحث عن مكانٍ تتذكر فيه نفسها،

فوجدتكِ.

ولهذا…

كلما ضاقت بي الحياة، أتيتُ إليكِ.

لا لأرى مصر،

بل لأتذكر أن الإنسان كان قادرًا، منذ البداية، أن يحول التراب إلى معنى،

والحجر إلى خلود،

والنهر إلى حياة،

والحلم إلى حضارة.

هذه محاكاة في الروح والبناء لا في الألفاظ؛ وأقوى نقطة حاولت الحفاظ عليها هي أن مصر في النص ليست «بلدًا عظيمًا» فقط، وإنما فكرة عن قدرة الإنسان على مقاومة الفناء وتحويل الحياة إلى معنى.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology