مفارقة العبور وبقاء الأثر في خمسين حكاية
بقلم: مي صالح
ثمة عناوين لا تكتفي بأن تسمّي الكتاب، بل تمنحه مفتاحاً للدخول إلى عالمه. وعنوان «عابرون وللروح حكايا» واحد من تلك العناوين التي تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكنها كلما اقتربنا منها اتسعت دلالاتها، حتى يصبح العنوان نفسه حكاية مختصرة عن الإنسان والحياة.
«عابرون»... كلمة تختصر فلسفة الوجود الإنساني في أبسط صورها وأكثرها عمقاً. نحن عابرون في الأمكنة، في الأزمنة، وفي حياة بعضنا بعضاً. نعبر الأيام دون أن ندري أي لحظة منها ستبقى، ونعبر حياة أشخاص قد لا نعرف مقدار ما تركناه فيهم، كما يعبر آخرون حياتنا ثم يمضون، تاركين خلفهم شيئاً لا يغادرنا بسهولة.
وهنا تبدأ المفارقة التي يقوم عليها العنوان، نحن عابرون، لكن آثارنا ليست بالضرورة عابرة.
ومن هذه الفكرة تنفتح المجموعة القصصية «عابرون وللروح حكايا»، وهي من إصداراتي ، وتضم خمسين قصة تتنوع بين القصة، والقصة القصيرة، وقصص الأطفال والقصة القصيرة جداً، وتتوزع موضوعاتها بين الواقعي والاجتماعي والإنساني، وقصص الأطفال والخيال.
لكن هذا التنوع لا يبدو مجرد جمع لأشكال وموضوعات مختلفة؛ بل يبدو أقرب إلى انعكاس لطبيعة الحياة نفسها وواقع يلامس حياتنا في كل يوم . فالحياة لا تسير بإيقاع واحد، ولا تمنحنا جميع الأحداث بالمساحة ذاتها؛ هناك حكايات تحتاج إلى أن تتمدد، وأخرى يكفيها مشهد، وثالثة قد تختبئ كاملة في جملة أو ومضة ولا ننسى الحكاية التي تبقى بنهايات غامضة ومفتوحة للقارئ.
وهنا تتجلى خصوصية السرد في المجموعة.
فالقصة والقصة القصيرة والقصة القصيرة جداً لا تختلف في عدد الكلمات فقط، وإنما تختلف في طريقة بناء المعنى وإدارة الزمن والمساحة والصمت. في القصة، يجد السرد فسحة لبناء الشخصيات والمواقف، وتشكيل المشهد، وتدرّج الحدث. أما القصة القصيرة جداً فتدخل في سباق مختلف؛ سباق مع اللغة نفسها، حيث تصبح الكلمة محسوبة، والتفصيل ضرورة أو عبئاً، والنهاية مساحة يشارك القارئ في استكمالها حسب إحساسه.
وبذلك لا يكون اختلاف الشكل السردي مجرد اختلاف تقني، بل يصبح جزءاً من الدلالة؛ فبعض الحكايات تحتاج إلى وقت كي تُروى، وبعضها يشبه ومضة عابرة، لكنها قد تضيء في داخل القارئ مساحة كاملة.
وهنا تبرز المفارقة بين العابر والسرد.
فكما أن بعض الأشخاص يمرون في حياتنا للحظات ويتركون أثراً طويلاً، قد تمر قصة قصيرة جداً أمام عين القارئ في دقائق، لكنها تظل حاضرة في ذاكرته زمناً أطول من قراءتها.
إنها مفارقة العابر الذي لا يعبر تماماً.
ولعل هذا ما يفسر الشطر الثاني من العنوان: «وللروح حكايا».
فالروح لا تتعامل مع الأشياء كما يتعامل معها الزمن. الزمن يمضي، أما الروح فتحفظ، والوجوه قد تغيب، لكن تفاصيلها تبقى. المواقف تنتهي، لكن أثرها يستمر.
وقد تنسى الروح حدثاً كاملاً، ثم تستعيد منه فجأة كلمة أو رائحة أو نظرة، فتعود الحكاية من مكان لم نكن نعلم أنها ما زالت تسكنه.
لذلك لا تأتي «الحكايا» في العنوان بوصفها مجرد قصص، وإنما بوصفها ذاكرة الروح.
وهنا يصبح الكتاب مساحة للعبور والاحتفاظ في الوقت نفسه؛ شخصيات تعبر الصفحات، وأحداث تنتهي، وأمكنة تتبدل، لكن الحكايات تستقر في مكان آخر أكثر عمقاً: في ذاكرة القارئ.
وتزداد هذه الرؤية وضوحاً مع تنوع موضوعات المجموعة. فحين تقترب القصص من الواقع، تصبح الحكاية محاولة لالتقاط ما يحدث حولنا وما قد نمر به دون أن نتوقف عنده. وحين تتجه إلى الاجتماعي والإنساني، تصبح الشخصيات مرآة لعلاقاتنا وتناقضاتنا ومخاوفنا على أرض الواقع.
وحين تدخل عالم الأطفال، تستعيد الحكاية دهشتها الأولى، أما حين تفتح باب الخيال، فإنها تتجاوز حدود الواقع لتعود إليه بطريقة أخرى.
فالخيال هنا ليس بالضرورة نقيضاً للحقيقة؛ أحياناً يكون طريقاً أكثر اتساعاً للوصول إليها.
وهكذا تتعدد وجوه الحكايات، كما تتعدد وجوه الحياة، لكن ثمة وحدة خفية تجمعها: الإنسان.
الإنسان الذي يحب، ويخاف، ويحلم، ويخسر، ويتذكر، ويرحل، ويترك خلفه شيئاً قد لا يدرك قيمته إلا بعد أن يمضي.
ومن هنا يمكن قراءة المجموعة باعتبارها تجربة تقوم على تعدد السرد ووحدة الرؤية. فالأشكال مختلفة، والإيقاعات متباينة، والموضوعات متحركة بين الواقع والخيال والطفولة والمجتمع، لكن البوصلة واحدة؛ إنها تتجه نحو الإنسان وما يختبئ خلف ظاهره من حكايات.
ولعل أجمل ما يمكن أن تقوله المجموعة عن السرد هو أن الحكاية ليست في طولها، وإنما في قدرتها على إحداث أثر.
فقد تحتاج حكاية إلى صفحات كي تقول شيئاً، وقد تقول أخرى الشيء ذاته في بضعة أسطر. وقد تأتي الحقيقة في قصة واقعية، وقد تختبئ في خيال. وقد يكون بطل الحكاية إنساناً، أو طفلاً، أو حيوانا، أو موقفاً عابراً، أو حتى تفصيلاً صغيراً لا نلتفت إليه عادة.
لكن السؤال الذي يبقى في النهاية واحد: ماذا يبقى بعد أن نعبر؟
قد لا تبقى الوجوه كما كانت، ولا الأمكنة، ولا اللحظات. وقد يطوي الزمن كثيراً مما ظنناه خالداً. لكن الحكاية تستطيع أن تمنح العابر فرصة أخرى للبقاء.
وهنا تلتقي «عابرون» بـ«وللروح حكايا» في أعمق نقطة ممكنة لتقول لنا: نحن نعبر الحياة، لكن ما نتركه في الأرواح قد لا يعبر.
وربما لهذا لا ينبغي النظر إلى «عابرون وللروح حكايا» بوصفها خمسين قصة فحسب، وإنما بوصفها خمسين محاولة للإمساك بلحظة إنسانية قبل أن تفلت؛ خمسين نافذة مختلفة تطل على الحياة، وخمسين أثراً صغيراً يحاول أن يقول إن الإنسان، مهما كان عابراً، يستطيع أن يترك وراءه حكاية.
وفي الكتاب، كما في الحياة، ليست كل الأشياء التي تمر بنا عابرة حقاً... فبعضها يمضي، وبعضها يسكن الروح.