الكاتب بلعربي خالد
في بداية القرن الثاني والعشرين، استيقظ العالم على خبرٍ لم يكن يخطر ببال أكثر العقول تشاؤمًا… الماء اختفى.
لم يختفِ فجأة كما في الأساطير، بل رحل ببطءٍ قاسٍ، قطرةً بعد قطرة.
الأنهار العظيمة التي كانت شرايين الحضارات تحولت إلى أخاديد جافة، والبحيرات التي كانت تعكس السماء أصبحت مقابر للغبار، أما السحب… فقد صارت ذكريات معلّقة في صور قديمة.
وقف البشر أمام الكوكب الذي عاشوا عليه آلاف السنين، واكتشفوا للمرة الأولى أن أغلى شيء امتلكوه كان الشيء الذي لم يعطوه أي قيمة.
فالإنسان الذي يتكوّن جسده من نحو 60% من الماء لا يستطيع البقاء طويلًا بدونه. ومع اختفاء المياه، لم يكن العطش وحده هو العدو… بل انهارت الحياة نفسها.
توقفت الحقول عن العطاء، وجفت التربة التي غذّت أجيالًا من البشر.
فالقمح، رمز الخبز والبقاء، أصبح يحتاج إلى كميات هائلة من الماء لم تعد الأرض قادرة على توفيرها. نفقت المواشي، أغلقت المصانع أبوابها، وبدأت المجاعات تزحف من مدينة إلى أخرى كوحشٍ صامت لا يمكن إيقافه.
وفي المدن الكبرى، تغيّر معنى السلطة.
لم يعد الذهب هو الثروة، ولم تعد الطاقة هي مفتاح النفوذ… بل أصبحت قطرة ماء واحدة تساوي حياة إنسان.
تحولت الآبار الجوفية إلى خزائن سرية، وظهرت طبقة جديدة من الحكام الذين لم يملكوا القصور فقط، بل امتلكوا مصدر الحياة نفسه.
أصبح من يملك الماء يملك القرار، ومن يتحكم في القرار يفرض الطاعة.
وبدأت الأسئلة المرعبة تنتشر بين الناس:
إذا أصبح الماء أغلى من الذهب… فهل يفقد الذهب قيمته؟
هل يمكن لحضارة عظيمة أن تستمر وهي تحمل كأسًا فارغًا؟
هل سيصبح الولاء لقطرة الماء أقوى من الولاء للوطن أو التاريخ أو المعتقد؟
ثم جاءت اللحظة التي خاف منها الجميع…
حرب المياه .
لم تبدأ بسبب النفط، ولا بسبب الحدود، ولا بسبب الثروات المدفونة تحت الأرض…
بل بسبب بئر صغير في صحراء نائية.
بئر واحد فقط.
تقاتلت حوله جيوش كاملة، وسقط الآلاف من أجل مصدر ماء يكفي لبقاء قرية صغيرة.
كانت تلك الحرب درسًا قاسيًا للبشرية: أحيانًا لا يموت الإنسان من أجل الذهب… بل من أجل الشيء الذي كان ينساه وهو متوفر بين يديه.
في القرى البعيدة، بدأ عصر الاختراعات اليائسة.
حاول العلماء إنقاذ ما تبقى من البشر عبر تقنيات لم يكن أحد يتخيلها:
أنظمة تقطير عميقة تستخرج الرطوبة المختبئة داخل الصخور.
أجهزة ضخمة تلتقط بخار الهواء وتحوله إلى قطرات قابلة للشرب.
تقنيات إعادة تدوير السوائل الجسدية، حتى أصبح العرق نفسه موردًا نادرًا يُجمع ويُباع.
لكن الإنسان، مهما ابتكر، كان يواجه سؤالًا واحدًا:
كم يمكنه أن يبقى في عالم بلا مطر؟
وفي مؤتمر عالمي أخير، وقف أحد العلماء أمام ملايين البشر عبر الشاشات. كان وجهه شاحبًا وصوته يحمل مزيجًا من الأمل والخوف.
قال:
"لقد صنعنا ما قد يكون آخر أمل للبشرية… سحبًا صناعية مكثفة تحمل كميات هائلة من الماء. سنطلقها في السماء، ونستخدم تقنيات تحاكي البرق لتفجير عملية التكاثف… إذا نجحنا، ستعود الأمطار، وستشرب الأرض من جديد."
ساد الصمت.
وفي اليوم المحدد، امتلأت السماء بالسحب الصناعية.
انتظر الناس المطر…
لكن السماء لم تمنحهم الحياة.
سقطت قطرات حارقة.
لم تكن أمطارًا… بل كانت كارثة.
تلوثت التربة، احترقت النباتات، وتحولت بعض المناطق إلى أراضٍ ميتة لا تنبت فيها بذرة. أصبحت التجربة ذكرى مؤلمة تشبه كوارث الماضي التي تركت جروحًا لا تُمحى في تاريخ الإنسان.
بعدها ظهرت فكرة أخرى أكثر غرابة:
"ماذا لو استطاع الإنسان الدخول في سبات طويل؟
ماذا لو نام البشر حتى تتحسن الظروف؟"
لكن الأيام مرت…
والسنوات مرت…
ولم تتحسن الأوضاع.
كان ذلك مجرد وهم آخر في سلسلة أوهام صنعها الإنسان عندما واجه الحقيقة.
الحقيقة التي حاول الهروب منها طويلًا:
أن الحضارة لا تُبنى بالحديد ولا بالذهب ولا بالتكنولوجيا وحدها…
بل بقطرة ماء.
وفي نهاية ذلك العصر، أدرك البشر متأخرين أن أرخص شيء في الماضي…
كان هو أغلى شيء في المستقبل.
الماء… كان موجودًا حولهم، حتى فقدوه.
ومنذ ذلك اليوم، أصبح الإنسان يعيش تحت حكم العطش، لا يبحث عن الثروة، ولا عن المجد، ولا عن السلطة…
بل يبحث عن قطرة واحدة تعيد إليه معنى الحياة.
