قصص قصيرة جداً

 


حسين بن قرين درمشاكي كاتب وقاص ليبي


حين تتكلم الجدران

أطفأه بعنف، والصمت يتمدد بينهما كجدار ثالث لا نافذة فيه.

دخلت، وقفت على العتبة. مدّت يدها نحو كتفه.

انكمش قليلاً بعيداً عنها، أشعل الغليون من جديد.

نظرت إلى الصور المعلّقة على الجدار؛ ثم إلى المسمار الفارغ الذي يقابله.

ارتجفت شفتاها بكلمة لم تخرج. أغلقت الباب خلفها.

بقي وحده، يُطفئ عود الثقاب بأصابعه، ببطء، ثم يشعل عوداً آخر من علبة لم يتغيّر مكانها منذ عام، أمام باب لم يُفتح منذ يومها.




ميراثٌ مَقلوب

عمرت الورقة سنين طويلة في جيب الأب المريض، وتحت بند التركة كتب بخط يده المرتجف: لابني... كل ما أملك.

حين أغمضت عيناه، وجدت الورقة ذاتها فوق صدره.

تجمع الورثة حول الجسد. استلت الورقة، وقرئت بلهفة الأيتام.

قلبوها.

فإذا خلفها، بخط أقدم: تنازلت عنه لأخي، مقابل ديني... منذ ثلاثة أعوام.




رامي

غاب الطنين المعتاد، واكتفت الغرفة بصمت السكون الأبدي.

حمل الخشب المصمت نقش عليه اسم واحد: "رامي" على الأكتاف، ومالت الخطى نحو عنوان أعيد ترقيمه للتو.

دق الباب ثلاثاً.

انفرج الخشب ببطء، ليطل رامي الحي من خلف الستارة، سائلاً بذهول:

أي رامي تقصدون؟




بساتين السكاكين

تسللت الملامح المستعارة إلى الواجهة، غزلت من خيوط الضباب فجراً كاذباً..

حط الركب بالساحة؛ أزهرت السكاكين ربيعاً أحمر.




نجمة من رمل

فوق الطاولة، دائرة قهوة ترتعش على خريطة تشتعل أطرافها. التفت إلى طفله، وضع في كفه حبة رمل، وهمس: هذه نجمتك.

سقط السقف، فانطفأت النجوم كلها.. ولم يبقَ سوى كفّين، ترتفعان.




الرابط الأخير

ابتلع الصمت هدير الغارة.. التفت رفيق الدرب نحو الرمل هامسا:

ـ ترجل الزناتي.

وحدهن... الخوذات كن يحرسن الظلال.




ثمن الغنيمة

على رمالٍ تنزف، ترجل القائد عن جثث رفاقه، ممسكاً بزمام إبل الذهب.

أطال النظر إلى السُّروج الخاوية.



ظل لا يتقن الموت

سألها الطيف بغرور الفناء:

ـ أما زلت تقتفين أثراً تلاشى؟ أنا بلا ظل.

التقطت ظلها الملقى تحت قدميه، وهمست:

ـ الظلال وحدها... تجهل طريق الموت.





جيوب محروقة

أمام النعش، فتّش جيبه المُمزق: مفتاحٌ من رماد.

انحنى نحو الأذن:

ـ أين أخبئ وطناً؟

قبض على تراب القبر.. فانفتح الفم.. ضاحكاً.





إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology