بقلم: هيا برماوي
لا أدري إلى متى سيبقى هذا الصداع يفتك برأسي كل يوم! لم أُعانِ قط من الصداع قبل ذلك اليوم المشؤوم
اعتدلتُ في سريري؛ فقد اعتدتُ هذا الروتين اليومي. لم أنظر إلى ساعتي لأني أدرك أنها الثانية بعد منتصف الليل.. الوقتُ الذي يوقظني فيه ألم رأسي كل ليلة
أشعلتُ سيجارة بهدوء، وتناولتُ بيدي الكوب الحراري؛ إذ اعتدتُ أن أُعدَّ القهوة يومياً وأضعها بجانبي لتبقى دافئة. لم تكن مجرد قهوة، بل كانت دواءً لصداعي، تماماً كـجرعة مسكّن أتجرعها فتسكن آلامي
نظرتُ بشوق وحنين إلى الصندوق الخشبي الصغير على المنضدة إلى جواري. ألمستُه وفتحتُه بهدوء.. قلّبتُ الرسائل، أمسكتُ بعضها، شممتُ عبقها وضممتُها إلى صدري، ثم أخرجتُ تلك الصورة الوحيدة التي أملكها. قبّلتُها مراراً وتكراراً، شددتُها إلى صدري مطولاً، وبقيتُ أُحدق بها.
الصورة تحتاج إلى ترميم! لا أريد أن تختفي ملامح محبوبتي بعد أن احتفظتُ بها سبعة وعشرين عاماً! قلتُ في نفسي: "حسناً، سأذهب في الصباح إلى القرية المجاورة؛ فهناك من يعمل في ترميم الصور"
لم أستطع النوم، وأمضيتُ الليل أُقلّب الرسائل وأتأمل أسرار صورتها إلى أن أطلّ الصباح. ارتديتُ معطفي ولففتُ وشاحاً حول عنقي؛ كان الجو عاصفاً ينذر بهطول الأمطار
كانت القرية التي أقصدها تبعد نحو ساعتين عن قريتنا. توجهتُ إلى محطة القطار، صعدتُ وجلستُ بقرب النافذة أترقب، إلى أن اكتظّ القطار بالمُسافرين وانطلقت الرحلة
لا أدري لماذا اغرورقت عيناي بالدموع؛ أغمضتُهما لأكتمها ففاضت على وجنتيّ. اشتقتُ إلى حبيبتي.. أقسمُ بمن أحلّ القسم أنها لم ولن تغيب عن بالي ولو لليلة واحدة. سبعة وعشرين عاماً.. عمرٌ بأكمله مرّ على فراقنا، تجرعتُ خلاله أقسى أنواع العذاب والفقد والحنين
أسندتُ رأسي على زجاج النافذة وأنا أسترجع ذكريات ذلك اليوم، أحاول فهم ما حدث حينها. كل ما أذكره أننا كنّا نخطط لحفل زفافنا بعد سنوات من الحبّ في السر ، ذهبتُ يومها لأجلب لها خاتم الخطوبة، لكنني عُدتُ ولم أجدها! وها قد مرّ من عمري سبعة وعشرون عاماً وما زلتُ أبحث عنها
انهمرت دموعي فمسحتُها بطرف سترتي، ثم غفوتُ قليلاً. لا أدري كم لبثتُ غارقاً في النوم، لكنني استيقظتُ على صوت توقف القطار. نهضتُ فوراً، حملتُ معطفي، وتحسستُ جيبه لأتفقد أغلى ما أملك: صورتي مع محبوبتي
خرجتُ من المحطة وتوجهتُ نحو متجر مرمّم الصور، وبعد زهاء نصف ساعة كنتُ أقف أمامه. تأملتُ المكان مطولاً وقلتُ في نفسي إن المتجر بأكمله يحتاج إلى ترميم
دخلتُ بهدوء فنبعثت في أرجائه رائحة الماضي المعتق ، تلفتُّ حولي فكان المشهد جميلاً على عكس ما توقعت؛ قطع أنتيكا مُرتبة بعناية، وفي أقصى اليمين جرامافون رائع تنساب منه معزوفة من الزمن الجميل. رأيتُ رجلاً عجوزاً يجلس خلف منضدة وفي يده شيء ما
اقتربتُ منه بهدوء وألقيتُ التحية ، نظر إليّ من فوق نظارته الطبية مطولاً، ثم قال وهو يبتسم: — أهلاً يا بُني.. تفضل بالجلوس
جلستُ على كرسي خشبي بجوار المنضدة، فقدم لي الرجل القهوة وبدأنا نتبادل أطراف الحديث. أخبرتُه بغرضي وأخرجتُ له الصورة
مدّ يده وتناولها مني، نظر إليها ملياً ثم قال: — أشعر وكأنني أعرِف هذه الفتاة! لكن ضعف بصري وتلف الصورة لا يساعدانني على التثبت..هل هي زوجتك؟
قلتُ بألم: — يا ليتها كانت زوجتي
تأملني مطولاً وقال بشيء من الحزن: — فهمت.. حسناً، سأبدأ بترميمها لكنني أحتاج بعض الوقت. انتظرني هنا
دخل العجوز إلى غرفة صغيرة وأغلق الباب خلفه. بقيتُ أنتظره قرابة النصف ساعة ثم غفوت، إلى أن أيقظني صوت فتح الباب
نهضتُ من مكاني، فأشار إليّ أن أجلس دون أن يتكلم ، جلستُ بقلق بعدما رأيتُ ملامحه قد تبدلت تماماً! مدّ إليّ الصورة ويداه ترتجفان، ونظرتُ إلى وجهه فرأيتُ دموعه تنهمر بغزارة
قلتُ بوجل: — ما الأمر يا عم؟
قال من بين دموعه: — كنتُ متأكداً أنني أعرِف صاحبة الصورة
سرت القشعريرة في جسدي وارتعشت أطرافي، فقلتُ بدهشة: — كيف تعرفها؟
أخرج منديلاً من جيبه ومسح دموعه، ثم قال: لقد أحبّتك كثيراً.. لم أرَ في حياتي أعظم من حبها لك، وبقيت على عهد هذا الحب إلى يومنا هذا.. إنه لوفاءٌ عظيم
قلتُ بتوتر واضطراب: كيف عرفت؟! مَن أنت؟! وأين حبيبتي ليلى؟
قال بنبرة حزينة: الآن؟ بعد كل تلك السنين؟!
انهمرت دموعي وأجهشتُ بالبكاء، وقلتُ بنحيب مؤلم: أقسم لك أنني لم أنسَها للحظة! أقسم لك أنني بحثتُ عنها في كل مكان وزمان، وما زلتُ أبحث عنها حتى هذه اللحظة
قال بضيق وأسى: أنت وليلى ضحية لعبة قذرة يا بُني.. ضحية غدر الصديق
اتسعت حدقتاي بدهشة: وضّح لي، أرجوك!
أردف الرجل العجوز: ليلى تأتي إلى هنا دائماً، تجلس عندي ساعات طويلة تحكي لي عن حبكما وعن كل ما مضى، وقد أخبرتني بما حدث في ذلك اليوم المشؤوم.. عندما ذهبتَ لتجلب خاتم الخطوبة، دخل عليها ابن عمها وصديقك المقرب "مروان" حاول أن يقنعها بأن تتركك وتتزوج منه بعدما ادّعى أنه يحبها منذ زمن وأن أولويته كابن عمها أكبر، لكنها رفضت بقوة وأذكرتْه بصداقتكما وأنه لا يحق له فعل ذلك. أبى أن يقتنع، وبدأ بالصراخ والوعيد، وعندما همّت بالاستغاثة انقضّ عليها وكتم أنفاسها ليرعبها، ففقدت وعيها ولم تستيقظ إلا وهي هنا في قريتنا احتجزها مروان في بيت ريفي صغير ومنعها من الخروج، ثم أحضر أهلها وأقنعهم أنها هربت معه بإرادتها ليتزوجا، فما كان منهم إلا أن باركوا الزواج لم تستطع إخبار أحد بكذبه لأنه أقسم لها أن يقتلك إن أفشت السر، ليحرق قلبها عليك تزوجها مروان لكنها أبت أن يمسها، وبقيا على هذا الحال سنوات طويلة إلى أن توفي مروان بعد صراع مع المرض ، بقيت ليلى هنا ولم ترغب في العودة إلى القرية خشية أن تراك قد تزوجت بغيرها
وضعتُ يديّ على رأسي وقد دارت بي الأرض؛ شعرتُ بدوار شديد وبصداع كاد يفتك بجمجمتي.. كيف لصديق عمري أن يفعل بي هذا؟! وكيف لم أكتشف ذلك قط؟! كل ما أخبروني به حينها أنها هجرت القرية مع أهلها لأسباب خاصة، وقد صدقتُ الكذبة عندما اختفى أهلها وأصبح مروان يغيب عن القرية أياماً بحجة العمل خارجها.. كيف خدعوني طوال هذه السنين؟
جثوتُ على ركبتيّ أبكيها وأبكي ما مضى من عمري بعيداً عنها ربت الرجل العجوز على كتفي بهدوء، فنظرتُ إليه ورجوتُه: — أين هي الآن؟
قال: — اتبعني
خرج العجوز من المتجر وسرتُ خلفه في طريق ترابي.. وبعد زهاء نصف ساعة وصلنا إلى بيت ريفي صغير شبه معزول !
طرق العجوز الباب، فسمعتُ صوت خطوات دافئة تقترب.. شعرتُ كأن الدماء تجمدت في عروقي. انفتح الباب فرأيتُها.. وكأن الشمس أشرقت في عمري بعد ظلام دام سبعة وعشرين عاماً !
ابتسم العجوز وقال: — ها قد أحضرتُه إليكِ بعد كل هذه السنين.
نظرت إليّ بدهشة، وانهمرت دموعها ثم ركضت ونشجت بين أحضاني وهي تقول من بين شهقاتها: — لقد تأخرتَ كثيراً! انتظرتُك عمراً بأكمله، وكلما طرق أحدهم الباب ظننتُك أنت
شددتُها إلى صدري بقوة وأنا أبكي.. أبكي كل لحظة أُجبرتُ على عيشها دونها ، ها هي محبوبتي تعود أخيراً بعد دهرٍ من الانتظار، وبعد أن نهك الفقد والحنين فؤادي
تأملتُ ملامحها؛ ما زالت حسناء فاتنة الملامح كما عرفتُها وأحببتُها، لكن حزن السنين كان محفوراً بعمق في عينيها
أمسكتُ بيدها ونشلتُها من ذلك المنزل اللعين، فتوقفت للحظة وقالت: إلى أين؟
قلت : إلى المكان الذي كان يجب أن تكوني فيه منذ زمن
ابتسمت من بين دموعها وقالت: لكنني أحتاج أن آخذ أمتعتي من هنا..
قلت : لا نحتاج أي شيء من هذا المكان
أفلتت يدي برفق وقالت: بل أنا أحتاج .
دخلت المنزل وعادت بعد دقائق معدودة وهي تحمل صندوقاً صغيراً ووشاحاً من الصوف كان لي في يوم من الأيام
نظرتُ إليها بدهشة: هل ما زلتِ تحتفظين بوشاحي؟!
أومأت برأسها ومدّت لي الصندوق؛ فتحتُه فوجدتُ الرسائل التي أرسلتُها لها منذ زمن بعيد، وبعض الصور التي جمعتنا، وبقايا فتات من الورود التي كنتُ أقطفها لأجلها.
أغلقتُ الصندوق، وشددتُ على يدها بحرارة، عائدَين معاً إلى بيتنا الذي ظلّ ينتظرها معي سبعة وعشرين عاماً.. لتبدأ أولى أيام عمرنا الحقيقي، ويموت الصداع الذي سكن رأسي للأبد.
