قراءة انطباعية في كتاب "مداد السهاد"

 

بقلم : د. تهاني رفعت بشارات 

 حين يتحوّل الأرق إلى حبر، والوجع إلى كلمات، والكتابة إلى نجاة

للكاتبة إيمان مرشد محمد حماد

هناك كتبٌ نقرؤها فتمرّ بنا كما تمرّ صفحات الأيام، وكتبٌ أخرى تتجاوز حدود القراءة لتستقرّ في أعماقنا، تلامس ما أخفته الروح طويلاً، وتوقظ فينا مشاعر ظننّا أنها هدأت، وتمنح الكلمات لما عجزنا عن قوله. ومن بين هذه الكتب يأتي "مداد السهاد" للكاتبة إيمان مرشد محمد حماد؛ عملٌ أدبيّ يفتح نافذةً على عوالم النفس الإنسانية، حيث تتجاور الندوب مع الأمل، ويتعانق الكبرياء مع الانكسار، ويقف الإنسان بين رغبته في البوح وخوفه من أن يُفصح عمّا يعتمل في داخله.



منذ العنوان، تضعنا الكاتبة أمام مفارقةٍ شديدة الدلالة؛ فـ"المداد" هو أثر الكتابة وما تتركه من كلمات، أما "السهاد" فهو ذلك الأرق الذي يطيل صحبة الإنسان مع أفكاره، حين يهدأ العالم من حوله، وتبدأ الضوضاء الحقيقية في داخله. وكأنّ الكتابة هنا ليست ترفاً لغويّاً، ولا ممارسةً عابرةً لملء الفراغ، بل محاولةٌ لاستنقاذ الروح من ازدحامها، وتحويل الأوجاع التي لا تجد طريقها إلى الكلام إلى نصوصٍ قادرة على البوح. إنّه مدادٌ يتسرّب من ليالي التفكير، ومن تجارب الخذلان، ومن الأسئلة التي لا تنام، ومن تلك اللحظات التي يكتشف فيها الإنسان أن بعض ما يثقله لا يستطيع أن يضعه في يد أحد، فيضعه على الورق.

ولعلّ في هذا العنوان وحده مفتاحاً لقراءة الكتاب؛ فليس كلُّ ما يُكتب وليد الهدوء، وليس كلُّ ما يخرج من القلب يأتي في لحظات الطمأنينة. بعض الكلمات تولد من عتمة التجربة، وبعضها يُكتب حين تضيق المسافة بين الإنسان ووجعه، وحين يصبح القلم رفيقاً أميناً لما لا تستطيع الروح الإفصاح عنه. وهكذا تبدو الكتابة في "مداد السهاد" مساحةً للمواجهة والمصالحة مع الذات، ومحاولةً لاستعادة التوازن وسط عالمٍ لا يمنح الإنسان دائماً الوقت الكافي ليفهم ما يشعر به.




الكتابة التي تشبه الإنسان في تقلّباته

ما يلفت النظر في هذا العمل أن الكاتبة لا تحصر تجربتها في شعورٍ واحد، ولا ترسم الإنسان بلونٍ ثابت؛ فهي تتنقّل بين الصمت والكبرياء والحرية والوطن والمرأة، وتفتح أبواباً متعددة للتأمل في العلاقات الإنسانية، وفي قيمة الذات، وفي الصراعات التي يخوضها المرء في مواجهة الآخرين وفي مواجهة نفسه.

إنها تدرك، في جوهر كتابتها، أن الإنسان ليس حكايةً مكتملة الملامح، ولا صورةً مستقرةً لا تتغيّر؛ إنه كائنٌ تتجاور في داخله القوة والهشاشة، والرجاء والخوف، والرغبة في الاقتراب والحاجة إلى الابتعاد. قد يبدو صلباً أمام الناس، فيما يخفي في أعماقه تعباً لا يراه أحد، وقد يبتسم بينما يحمل في قلبه ما يكفي من الحزن ليُثقل أياماً طويلة. وقد يختار الصمت لا لأنه لا يملك ما يقوله، بل لأن بعض التجارب أكبر من أن تحتويها اللغة، ولأن بعض الحقائق لا تجد طريقها إلى الآخرين مهما أُحسن التعبير عنها.

ومن هنا، تبدو نصوص "مداد السهاد"قريبةً من التجربة الإنسانية في واقعيتها وتناقضاتها؛ فهي لا تقدّم الإنسان ملاكاً لا يخطئ، ولا بطلاً لا ينكسر، ولا ضحيةً لا تستطيع النهوض، بل تقدّمه كما هو: روحًا تتعب، وقلباً يتأثر، وعقلاً يحاول أن يفهم، وإرادةً تبحث عن سببٍ جديد للاستمرار.

ولعلّ أجمل ما في هذا الكتاب أن القارئ لا يشعر بأنه يقف أمام كاتبةٍ تتحدّث إليه من مسافةٍ بعيدة، بل أمام روحٍ تجلس إلى جواره، تُصغي إلى صمته، وتفهم ارتباكه، وتمنح مشاعره أسماءً ربما عجز هو نفسه عن العثور عليها. وهذا القرب ليس تفصيلاً عابراً في التجربة الأدبية، بل أحد أهم أسباب تأثيرها؛ فالكلمة تزداد عمقًا حين لا تكتفي بإظهار براعة صاحبها، بل تنجح في الوصول إلى إنسانٍ آخر.


"لا تقتلوا الأسد بداخلكم"… حين تصبح الاستعارة صرخةً في وجه التنازل عن الذات

ومن النصوص التي تستوقف القارئ في "مداد السهاد" نصّ "لا تقتلوا الأسد بداخلكم"؛ وهو نصّ تتجلّى فيه قدرة الكاتبة على تحويل الصورة المألوفة إلى استعارةٍ عميقة، تحمل رسالةً تتجاوز ظاهر الكلمات إلى جوهر العلاقة بين الإنسان وذاته، وبين حريته والآخرين.

تستهلّ الكاتبة فكرتها بسؤالٍ تأمليّ عن الأسد، ذلك الكائن الذي نربطه بالقوة والهيبة والاستقلال، ثم تنقل الصورة من عالم الحيوان إلى عالم الإنسان، حيث قد يفقد المرء شيئاً من جوهره كلما سمح للآخرين بالسيطرة على إرادته، أو صادروا حقه في التفكير والاختيار، أو أقنعوه بأن قيمته تكمن في مقدار خضوعه وتنازله.

وهنا تكمن براعة النص؛ فالأسد ليس مجرد رمزٍ للشجاعة الجسدية، بل يصبح صورةً للقوة الداخلية التي تحفظ للإنسان كرامته، وللصوت الذي يعبّر به عن قناعاته، وللإرادة التي تمنعه من التحوّل إلى تابعٍ لا يملك من أمره شيئاً. فالكاتبة لا تدعو إلى أن يتعالى الإنسان على الآخرين، ولا إلى أن يجعل من الكبرياء جدارًا يعزله عن العالم، بل تحذّره من أن يفقد ذاته في سبيل إرضاء الآخرين، وأن يفرّط في استقلاله حتى يصبح غريباً عن أفكاره ومبادئه.


وتبلغ الصورة ذروتها حين تصوّر الإنسان الذي يسمح للآخرين بأن يملؤوا عقله بكلماتهم، حتى يغدو كالوعاء الممتلئ بغيره، الفارغ من ذاته. يا لها من صورةٍ موحية! فليس أشدّ إيلاماً من أن يمتلك الإنسان عقلاً، ثم يتنازل عن حقّه في التفكير؛ أو يمتلك صوتاً، ثم يعتاد الصمت خوفاً من الرفض؛ أو تكون له شخصيةٌ مستقلة، ثم يتركها تتآكل تحت وطأة إرضاء الجميع.

إنها دعوةٌ إلى أن نحفظ في داخلنا تلك المساحة التي لا ينبغي لأحدٍ أن يصادرها؛ مساحة الكرامة، وحرية الرأي، والقدرة على قول "لا" حين يكون التنازل خيانةً للذات. فليس كلُّ صمتٍ حكمة، وليس كلُّ خضوعٍ تسامحاً، وليس كلُّ تنازلٍ دليلاً على النبل؛ إذ قد يتحوّل الإفراط في إرضاء الآخرين إلى شكلٍ من أشكال الغياب عن النفس.

والأجمل أن الكاتبة لا تجعل القوة مرادفاً للقسوة، ولا الكرامة مبرراً للتعالي، بل تذكّر القارئ بأن عليه ألّا يسمح لأحدٍ بإطفاء جوهره، وألّا يتحوّل إلى ظلٍّ يمشي خلف الآخرين. فأن تكون قويّاً لا يعني أن تؤذي، وأن تكون عزيزاً لا يعني أن تتكبّر، وأن تحافظ على ذاتك لا يعني أن تغلق قلبك أمام الناس؛ بل يعني أن تعرف أين تنتهي مساحة التسامح، وأين يبدأ التنازل الذي ينتقص منك.

إن "لا تقتلوا الأسد بداخلكم" ليس عنواناً لافتاً فحسب، بل رسالةٌ توقظ الإنسان من اعتياده على التنازل، وتذكّره بأن الحفاظ على الذات ليس أنانيةً، وأن امتلاك القوة الداخلية ليس ترفاً، بل ضرورةٌ لحياةٍ لا يفقد فيها المرء نفسه وهو يحاول إرضاء العالم.

وهنا يتجلّى إبداع إيمان مرشد محمد حماد في اختيار الصورة وبناء الدلالة؛ إذ تجعل من الأسد رمزاً يسهل تخيّله، لكنه يقود إلى معنى عميقٍ يستحق التأمل. وتلك إحدى علامات الكتابة المؤثرة: أن تبدأ بصورةٍ بسيطة، ثم تفتح منها باباً واسعاً للتفكير، وأن تترك القارئ بعد انتهاء النص يسأل نفسه: كم مرةً تنازلت عن صوتي؟ وكم مرةً أخفيت حقيقتي كي أكون مقبولاً؟ وهل ما زلت أحتفظ بذلك الجزء الأصيل من نفسي الذي لا ينبغي أن أفرّط فيه؟


"نحن أفلح الخسائر"… حين تنقلب الهزيمة إلى معرفة

وفي نصّ "نحن أفلح الخسائر"، تقدّم الكاتبة تأملاً آخر في العلاقات الإنسانية، وفي المفارقة التي يعيشها بعض الناس حين يمنحون الآخرين من مشاعرهم ووقتهم وصدقهم، ثم يكتشفون أنهم خرجوا من التجربة مثقلين بالخذلان.

تقول الكاتبة في نصّها إنهم أعطوا الآخرين حبّاً، فكانوا لهم بلاءً، وفرحوا معهم، ثم حين جاء دورهم تُركوا يواجهون حزنهم وحدهم. وتكشف هذه المفارقة عن تجربةٍ يعرفها كثيرون؛ حين يمنح الإنسان من قلبه بصدق، ويتوقع أن يجد في المقابل شيئاً من الوفاء، ثم يكتشف أن العطاء لا يضمن دائماً أن يُقابَل بعطاءٍ مماثل، وأن النوايا الطيبة لا تحمي صاحبها بالضرورة من الخيبة.

لكن النصّ لا يتوقف عند حدود الشكوى، بل ينتقل إلى معنى أكثر عمقاً؛ إذ يعيد تعريف الخسارة، فلا يجعلها نهايةً مطلقة، ولا يحكم على الإنسان بالفشل لمجرد أنه خسر علاقةً أو تجربةً أو فرصة. فكثيراً ما يخرج المرء من خسارته أكثر وعياً بنفسه، وأكثر قدرةً على التمييز بين من يستحق حضوره ومن يستنزف روحه، وبين العطاء الذي يعبّر عن المحبة والتضحية التي تتحوّل إلى استنزاف.

ومن هنا، فإن عنوان "نحن أفلح الخسائر" يحمل مفارقةً تستحق التأمل؛ فالفلاح يرتبط عادةً بالنجاح والظفر، والخسارة ترتبط بالفقد والإخفاق، لكن اجتماع المفردتين يفتح باباً لإعادة النظر في معنى الانتصار نفسه. فقد لا يكون الانتصار أن نحتفظ بكل من أحببنا، بل أن نحتفظ بأنفسنا حين تتغيّر الوجوه. وقد لا تكون الخسارة أن يغادرنا أحدهم، بل أن نظلّ متمسكين بمن لا يرى في وجودنا قيمةً، حتى نفقد في سبيله سلامنا الداخلي.

وفي هذا المعنى، تقترب الكاتبة من القارئ الذي عرف الخذلان، دون أن تدعوه إلى كراهية الآخرين أو التخلّي عن طيبة القلب. إنها تذكّره، على نحوٍ غير مباشر، بأن الطيبة لا ينبغي أن تكون باباً مفتوحاً للاستنزاف، وأن الصدق لا يعني إلغاء الحدود، وأن الإنسان يستطيع أن يبقى نقيّ القلب دون أن يظلّ أسيراً لكل من أساء إليه.


 الصمت… حين تعجز الحروف عن حمل الوجع

وفي تأملاتها عن الصمت، تقترب الكاتبة من مساحةٍ دقيقة في النفس البشرية؛ تلك المساحة التي تتراكم فيها التجارب حتى تعجز الكلمات عن حملها، ويصبح الصمت لغةً أخرى لا تقلّ صدقاً عن الكلام.

فثمة جراحٌ لا ينقصها الكلام بقدر ما ينقصها من يستطيع فهمها، وثمة أوجاعٌ لا تحتاج إلى كثرة الأسئلة، بل إلى حضورٍ رحيمٍ لا يطالب صاحبها بتفسير كل ما يشعر به. وقد يصمت الإنسان لأنه تعب من الشرح، أو لأنه أدرك أن بعض المستمعين لا يبحثون عن فهمه بقدر ما يبحثون عن ثغرةٍ في حكايته، أو لأنه لم يعد يملك الطاقة اللازمة لإعادة سرد ما يؤلمه.

والكاتبة، حين تقترب من هذه المنطقة، تمنح الصمت أبعاده الإنسانية؛ فلا تجعله دائماً علامةً على الضعف، ولا تصوّره في كل الأحوال حكمةً مطلقة. فالصمت قد يكون حمايةً للنفس، وقد يكون احتجاجاً هادئاً، وقد يكون تعبيراً عن خيبةٍ تجاوزت قدرة الإنسان على العتاب. لكنه قد يكون أيضاً عبئاً حين يضطر المرء إلى ابتلاع مشاعره باستمرار، خوفاً من ألّا يجد من يفهمه.


وهنا تكمن قيمة التأمل الأدبي؛ فهو لا يقدّم إجابةً واحدةً لكل الحالات، بل يفتح أمام القارئ مجالاً للتفكير في دوافعه، وفي علاقاته، وفي الكلمات التي يقولها وتلك التي يختار أن يحتفظ بها. فليس كلُّ ما يُقال يُفهم، وليس كلُّ ما يُخفى يختفي، وبعض المشاعر تظلّ حاضرةً في الإنسان وإن لم تجد طريقها إلى اللسان.


الكبرياء… كرامةٌ لا تحتاج إلى ضجيج

وفي حديثها عن الكبرياء، تستثمر الكاتبة الصور المستمدة من عالم الحيوان والطبيعة لتقريب المعنى، وتذكير القارئ بأن للكرامة ملامح لا ينبغي التفريط فيها. فالكبرياء في جوهره ليس استعراضاً للقوة، ولا محاولةً لإثبات التفوّق على الآخرين، بل هو وعي الإنسان بقيمته، ومعرفته بالحدود التي لا يسمح بتجاوزها.

إن الفرق كبيرٌ بين إنسانٍ يحفظ كرامته وإنسانٍ يتخذ من الكبرياء وسيلةً لإيذاء غيره؛ فالأول لا يحتاج إلى تحقير الآخرين كي يشعر بقيمته، ولا إلى رفع صوته كي يثبت حضوره، أما الثاني فقد يخفي وراء مظهر القوة خوفاً عميقاً من أن يُرى على حقيقته.

وتبدو هذه الفكرة متصلةً بروح الكتاب عموماً؛ فالكاتبة تعود مراراً إلى سؤال الذات: كيف يحافظ الإنسان على جوهره وسط علاقاتٍ قد تستنزفه؟ وكيف يبقى وفيّاً لقيمه دون أن يتحوّل إلى أسيرٍ للخذلان؟ وكيف يميّز بين التواضع الذي يرفع قدره، والتنازل الذي يضعف احترامه لنفسه؟

إنها أسئلةٌ لا تخصّ تجربةً فرديةً بعينها، بل تمتدّ إلى كل إنسانٍ حاول أن يوازن بين قلبه وكرامته، وبين حاجته إلى الآخرين وحقّه في أن يبقى مستقلًّا عنهم.


 المرأة… بين أعباء التوقعات وقوة الاستمرار

وفي النصوص التي تتناول المرأة، تقترب الكاتبة من واقعٍ تتداخل فيه التوقعات الاجتماعية مع التجربة الشخصية، وتتراكم فيه الأدوار والمسؤوليات حتى تُطالَب المرأة أحياناً بأن تكون قويةً على الدوام، وأن تتحمّل دون شكوى، وأن تمنح دون أن تتعب، وأن تخفي هشاشتها حتى لا يُساء فهمها.

لكن المرأة، كما توحي هذه التأملات، ليست مطالبةً بأن تكون صلبةً في كل لحظة، ولا بأن تتخلّى عن إنسانيتها كي تثبت قدرتها على الاحتمال. فالقوة لا تعني غياب الوجع، والشجاعة لا تعني انعدام الخوف، والقدرة على الاستمرار لا تعني أن الطريق لم يكن شاقّاً.

وتتجلّى لمسة الكاتبة في محاولتها إعادة الاعتبار إلى ما تختزنه المرأة من مشاعر وتجارب، وإلى قدرتها على النهوض رغم ما قد تواجهه من أعباء. فالمرأة ليست مجرّد صورةٍ يصوغها الآخرون وفق ما ينتظرونه منها، بل ذاتٌ كاملة لها رؤيتها، واحتياجاتها، وأحلامها، وحقّها في الاختيار والتعبير.

وفي هذا السياق، تبدو الكتابة عن المرأة امتداداً لكتابة الكاتبة عن الكرامة والحرية؛ فالمعنى واحدٌ في جوهره: ألّا يُختزل الإنسان في الدور الذي يرسمه له الآخرون، وألّا يُحرم من حقه في أن يكون نفسه.



 الوطن… ذاكرةٌ تسكن الروح ولا تغادرها

وحين تتجه الكاتبة إلى الوطن، تتّسع دائرة البوح من التجربة الفردية إلى الذاكرة الجماعية، ويصبح الوطن أكثر من مكانٍ جغرافيّ أو حدودٍ مرسومة؛ إنه الجذور التي تمنح الإنسان شعوره بالانتماء، والذاكرة التي يحملها أينما ذهب، والوجوه التي لا تغيب حتى حين تفصل المسافات بينها.

وفي الكتابة عن فلسطين، تكتسب هذه المعاني عمقاً خاصّاً؛ فالوطن ليس مجرّد اسمٍ يرد في الكلام، بل تجربةٌ من الفقد والصمود، وذاكرةٌ تتوارثها الأجيال، وحكايةٌ تتداخل فيها الأرض بالهوية، والألم بالأمل، والحنين بالإصرار على البقاء.

إن الانتماء إلى الوطن لا يُختصر في لحظة حماسٍ عابرة، بل يتجذّر في تفاصيل الحياة، وفي اللغة التي نحملها، وفي الذاكرة التي لا يستطيع الزمن محوها بسهولة، وفي الإحساس بأن ثمة أماكن لا نكون غرباء عنها مهما ابتعدنا، لأنها جزءٌ من تكويننا الداخلي.

وهنا تلتقي التجربة الوطنية بالتجربة الإنسانية التي ينهض عليها الكتاب؛ فالإنسان الذي يبحث عن ذاته يحتاج إلى جذوره، والذي يحاول أن يفهم آلامه يحتاج إلى ذاكرته، والذي يتطلع إلى المستقبل لا يستطيع أن ينفصل تماماً عن الحكاية التي جاء منها. وهكذا يصبح الوطن في "مداد السهاد" مساحةً للتأمل في الهوية والكرامة، وفي العلاقة بين الإنسان وما يمنحه معنى الانتماء.


بين الشتاء الداخلي وعودة الربيع

ومن الصور اللافتة في هذا النوع من الكتابة تلك المفارقة بين تغيّر الفصول في الخارج وبقاء الشتاء في الداخل؛ فكم من إنسانٍ تتبدّل من حوله الأيام، وتشرق الشمس، وتتفتح الأزهار، بينما تظلّ في أعماقه مساحةٌ باردة لم يصل إليها الدفء بعد.

إنها صورةٌ تختصر الفارق بين الزمن الخارجي والزمن النفسي؛ فالأيام تمضي وفق إيقاعها، لكن المشاعر لا تتعافى دائماً بالسرعة نفسها. وقد يظنّ الآخرون أن الإنسان تجاوز محنته لأنه عاد إلى الابتسام، فيما لا تزال بعض الذكريات تؤلمه، أو لأنهم رأوه يستأنف حياته، فيحسبون أن كل ما مرّ به أصبح وراءه.

غير أن التعافي ليس طريقاً مستقيماً، ولا قراراً يُتّخذ في لحظةٍ واحدة؛ إنه رحلةٌ تتقدّم أحياناً وتتراجع أحياناً أخرى، وتحتاج إلى الصبر والوعي والقدرة على منح النفس الوقت الكافي لتستعيد توازنها.

وفي مقابل الشتاء الداخلي، تبرز صورة الانبعاث من جديد، كطائر الفينيق الذي ينهض من رماده؛ وهي استعارةٌ تحمل معنى التجدّد بعد الاحتراق، واستعادة القدرة على الحياة بعد التجارب القاسية. فليس المقصود أن الألم يختفي تماماً، بل أن الإنسان يستطيع أن يتعلّم كيف يحمل أثره دون أن يسمح له بأن يحدّد مستقبله كله.

وهذه إحدى الرسائل التي يمكن للقارئ أن يلتقطها من بين صفحات الكتاب: أن ما انكسر فينا لا يختصرنا، وأن التجربة المؤلمة لا تصبح بالضرورة نهاية الحكاية، وأن في الإنسان قدرةً على البدء من جديد، حتى حين يظنّ أنه استنفد كل فرص النهوض.


 لغةٌ تستمدّ أثرها من الصورة والتأمل

على المستوى الأسلوبي، تقوم جاذبية "مداد السهاد" على المزج بين التأمل الوجداني والصورة البلاغية، وبين الفكرة المباشرة والعبارة التي تترك للقارئ مجالاً لتوسيع معناها. فالكاتبة تستعين بصورٍ من الطبيعة وعالم الحيوان، وتستثمر المفارقة والتقابل لتقريب المعاني النفسية، فتجعل من بعض الصور مدخلاً إلى قضايا تتصل بالكرامة والاستقلال والخذلان والقدرة على النهوض.

وتكمن قيمة هذه الصور في أنها لا تظلّ محصورةً في معناها الحرفي؛ فالأسد يتجاوز كونه رمزاً للقوة ليصبح تعبيراً عن الجوهر الداخلي، والشتاء يتجاوز الفصل ليحمل دلالةً على الحزن الممتدّ، والرماد يتحوّل إلى علامةٍ على إمكان الانبعاث. وهكذا تمنح الصورة الأدبية الفكرة حياةً تتجاوز حدود التعريف النظري، وتتيح للقارئ أن يتخيّلها ويشعر بها قبل أن يحاول تفسيرها.

كما أن تنوّع الموضوعات يمنح الكتاب مساحةً واسعةً للتأمل؛ فالقارئ لا يبقى طويلاً في حالةٍ شعورية واحدة، بل ينتقل بين أسئلة الذات والعلاقات والحرية والوطن والمرأة. وهذا التنقّل يشبه إلى حدّ بعيد تقلّبات الحياة نفسها؛ إذ لا نعيش تجاربنا في فصولٍ منفصلة تماماً، بل تتداخل فينا مشاعر الحب والخذلان، والرضا والرفض، والقوة والضعف، وتتشابك حتى يصعب أحياناً الفصل بينها.

ولعلّ سرّ قرب النصوص من القارئ يكمن في هذا التنوّع؛ فهي تتيح لكلّ إنسانٍ أن يدخل إلى الكتاب من الباب الذي يشبه تجربته، وأن يجد في بعض صفحاته ما يلامس واقعه، وفي صفحاتٍ أخرى ما يفتح أمامه أفقًا جديدًا للتفكير.

إبداعٌ في ملامسة التناقضات الإنسانية

إن أكثر ما يستحق التوقّف عنده في "مداد السهاد" هو قدرة الكاتبة على مزج المشاعر والأحاسيس المتقابلة، دون أن تُقصي جانباً لحساب آخر. فهي تكتب عن القوة، لكنها لا تنكر الضعف؛ وتفتح نافذةً للأمل، لكنها لا تتجاهل اليأس؛ وتحتفي بالكرامة، لكنها لا تتعامل مع الانكسار بوصفه عاراً؛ وتقترب من الخذلان، دون أن تجعل منه حكمًا نهائيّاً على الحياة أو الناس.

وهذا المزج يمنح الكتاب بُعداً إنسانيّاً؛ لأن الإنسان لا يعيش على وتيرةٍ واحدة، ولا يملك دائمًا تفسيراً واضحاً لما يشعر به. قد يشتاق إلى من آذاه، وقد يحنّ إلى مرحلةٍ يعرف أنها لن تعود، وقد يشعر بالقوة في يومٍ ثم ينهكه التعب في اليوم التالي. وقد يجمع في قلبه بين الامتنان والحزن، أو بين الرغبة في البقاء والحاجة إلى الرحيل.

والكتابة التي تتّسع لهذه التناقضات تكون أقرب إلى الإنسان من الكتابة التي تصرّ على تقديم المشاعر في صورٍ مثالية. فالمرء لا يحتاج دائماً إلى من يخبره بأنه قوي، بل قد يحتاج إلى من يعترف بحقه في التعب. ولا يحتاج في كل لحظة إلى خطابٍ عن الأمل، بل يحتاج أحياناً إلى من يفهم سبب يأسه، ثم يساعده على رؤية احتمالٍ آخر للحياة.

ومن هنا، لا تكتفي الكاتبة بتقديم عباراتٍ عن الذات والحياة، بل تفتح أمام القارئ مجالاً للتعرّف إلى نفسه؛ إذ يجد بين السطور شيئاً من ماضيه، أو صدى لتجربةٍ عاشها، أو تعبيراً عن إحساسٍ ظلّ عاجزاً عن تسميته. وهنا تتحوّل القراءة من فعلٍ ذهنيّ إلى تجربةٍ وجدانية، ويصبح الكتاب رفيقاً في لحظاتٍ قد لا يجد الإنسان فيها من يصغي إليه.

إن إيمان مرشد حماد تقترب من القارئ لأنها لا تكتب عن الإنسان من الخارج فحسب، بل تلامس ما يتصارع في داخله؛ تجمع بين صلابته وهشاشته، وبين رغبته في المقاومة وخوفه من الخسارة، وبين حاجته إلى الحب وحقّه في الكرامة. وهذا التوازن بين الأمل واليأس، وبين القوة والضعف، هو ما يمنح نصوصها طابعاً إنسانيّاً يجعل القارئ يشعر بأنه ليس وحده في تجاربه، وأن المشاعر التي ظنّها حبيسةً في صدره قد تجد لها صدىً في كلمات كاتبةٍ أخرى.

 "مداد السهاد"… أثرٌ يتجاوز الصفحة الأخيرة

في نهاية المطاف، لا يمكن النظر إلى "مداد السهاد" بوصفه مجموعةً من الخواطر والتأملات فحسب، بل يمكن قراءته بوصفه محاولةً لفهم الإنسان في لحظات ضعفه وقوته، وفي علاقته بذاته وبالآخرين وبالوطن. إنه كتابٌ يضع القارئ أمام أسئلةٍ تتصل بما يمنحه قيمته، وبما ينبغي أن يحافظ عليه، وبالحدود التي يحتاج إلى رسمها، وبالقدرة على النهوض بعد التجارب التي تترك في الروح ندوباً لا تُرى.

ومن خلال موضوعاته وصوره، تذكّرنا الكاتبة بأن الحفاظ على الذات لا يعني القسوة، وأن التسامح لا يستلزم التنازل عن الكرامة، وأن الخسارة لا تعني دائمًا الهزيمة، وأن الضعف لا ينفي القوة، كما أن الأمل لا يتطلّب إنكار الألم. فالإنسان يستطيع أن يكون طيّباً دون أن يكون مستباحاً، وقويّاً دون أن يكون قاسياً، ومتسامحاً دون أن يتخلّى عن حقّه في الاحترام، ومجروحاً دون أن يجعل من جراحه نهايةً لكل ما يمكن أن يعيشه.

وإذا كان عنوان الكتاب يوحي بأن الحروف كُتبت في ساعات السهاد، فإن أثرها يمتدّ إلى القارئ في ساعاتٍ أخرى؛ حين يواجه موقفاً يستدعي الكرامة، أو يمرّ بتجربةٍ تختبر صبره، أو يحتاج إلى كلمةٍ تذكّره بأن الإنسان لا يُقاس بما فقده وحده، بل بما استطاع أن يحافظ عليه في داخله رغم الفقد.

ولعلّ أجمل ما يمكن أن نخرج به من هذه القراءة أن الكتابة الصادقة لا تشترط أن تكون حياة صاحبها خاليةً من الألم، بل ربما تنبع أحياناً من القدرة على تحويل الألم إلى معنى، ومن تحويل التجربة الشخصية إلى مساحةٍ يتشارك فيها الآخرون شيئاً من حكاياتهم. فالكلمة حين تلامس الإنسان بصدقٍ لا تبقى ملكاً لكاتبها وحده؛ إنها تجد طريقها إلى ذاكرة القارئ، وتكتسب من تجاربه دلالاتٍ جديدة، وتصبح جزءاً من حواره الداخلي مع الحياة.

"مداد السهاد" كتابٌ عن الإنسان حين يحاول ألّا يفقد نفسه؛ عن قلبٍ يمنح ثم يتعلّم، وروحٍ تتعب ثم تقاوم، وذاتٍ تتأرجح بين الانكسار والنهوض، لكنها تظلّ تبحث عن معنى يستحق أن تواصل من أجله الطريق.

فبعض الكتب تمنحنا أفكاراً نناقشها، وبعضها يمنحنا صوراً نتأملها، أما الكتب التي تقترب من أعماقنا فتمنحنا شيئاً أكثر خصوصية: شعوراً بأن هناك من استطاع أن يكتب ما عجزنا عن قوله، وأن يفتح بالكلمات نافذةً في جدار الصمت.

وهنا تكمن قيمة "مداد السهاد"؛ في تلك المسافة بين ما نشعر به وما نستطيع التعبير عنه، بين ما نُظهره للعالم وما نخفيه في داخلنا، وبين ليالٍ يطول فيها الأرق وصباحاتٍ نحاول فيها أن نبدأ من جديد.

فبعض الكتابات تولد من هدوء الحياة، وبعضها يولد من صخبها وجراحها؛ أما هذه الكتابة فتولد من تلك المساحة الغامضة بين الليل واليقظة، حين يصبح الصمت أبلغ من الكلام، وتغدو الكلمة محاولةً أخيرة لأن تظلّ الروح قادرةً على البوح.

والكتاب، في جوهره، يتركنا أمام حقيقةٍ إنسانيةٍ تستحق أن نتأملها طويلاً: قد لا نملك دائماً اختيار ما يحدث لنا، لكننا نستطيع أن نتعلّم كيف نحفظ كرامتنا، وكيف نصون جوهرنا، وكيف نمنح الألم معنىً لا يبتلع حياتنا. وقد لا نستطيع منع الشتاء من المرور بقلوبنا، لكننا نستطيع ألّا نفقد إيماننا بإمكان عودة الربيع.

وهكذا يظلّ "مداد السهاد"دعوةً إلى الإصغاء لما في داخلنا، وإلى ألّا نقتل الأسد الذي يرمز إلى شجاعتنا، وألّا نسمح للخسارات بأن تنتزع منا قدرتنا على الحب، أو أن تجعلنا نتخلّى عن الأمل، أو أن ننسى أن الإنسان، مهما أثقلته التجارب، يظلّ قادراً على أن يكتب فصلاً جديداً من حكايته.

فليس أجمل من أن يتحوّل السهاد إلى مداد، ولا أصدق من أن تتحوّل التجربة إلى كلمة، ولا أعمق من أن تخرج الكاتبة من عتمة الشعور بنصٍّ يجد في قلوب الآخرين ضوءه وامتداده.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology