من اللوحة إلى الكتاب، ومن التجربة الفردية إلى تكوين أجيال من الفنانات، تسعى سناء هيشري إلى ترسيخ رؤية تشكيلية تقوم على التجريب والاستقلالية وبناء الهوية البصرية، في مسار يجمع بين الفن والأدب والتعليم والعمل الإنساني.
في تجربتها الفنية، تنطلق سناء هيشري من سؤال يتجاوز كيفية رسم اللوحة إلى طبيعة اللغة التي تجعل لكل عمل هويته الخاصة: كيف يمكن للفنان أن يطوّر رؤيته، ويحرّر أدواته التعبيرية، ويصل إلى أسلوب يحمل بصمته الشخصية؟ يشكّل هذا السؤال أحد المحاور الأساسية في مشروعها التشكيلي والتعليمي، الذي يمتد بين أروبا والعالم العربي، ويجمع بين الممارسة الفنية والبحث والتأليف.
سناء هيشري أديبة وباحثة وفنانة تشكيلية بلجيكية من أصول تونسية، درست في الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة ببروكسل، وهي عضوة في الاتحاد التونسي للفنانين التشكيليين، وعضوة في المؤسسة التونسية لحقوق المؤلف في مجال التأليف الأدبي. وقد جمعت في مسيرتها بين إنتاج الأعمال الفنية وتعليم تقنيات الفنون الجميلة وتنظيم المعارض والورشات والفعاليات الثقافية.
من تجاوز التقليد إلى بناء الهوية التشكيلية
يمثّل البحث عن الأصالة أحد المحاور التي توجّه تجربة هيشري؛ إذ تنطلق في عملها من قناعة بأن تكوين الفنان لا يكتمل بإتقان القواعد والتقنيات وحدها، بل يتطلب القدرة على تطوير رؤية مستقلة، واكتشاف إمكانات تعبيرية جديدة، وتحويل التجربة الشخصية إلى لغة بصرية مميزة.
وتكتسب هذه الفلسفة أهميتها من ارتباطها بمسألة الأصالة في الفنون البصرية، حيث يصبح لكل عمل منطقه الخاص، وتغدو البصمة الفنية نتيجة لمسار من البحث والاختيار والتجريب، لا مجرد محاكاة لأساليب سابقة.
اللون والخامة والمرأة في أعمال سناء هيشري
تتجلى هذه النزعة التجريبية في أعمال هيشري التي تستخدم فيها الألوان الزيتية والأكريليك، والتراكمات المادية، والسكين، والخامات المتنوعة. وتقوم بعض مقارباتها على بناء السطح عبر طبقات وتداخلات لونية ومادية، بما يمنح اللوحة بنية تشكيلية تتجاوز حدود الرسم الخطي التقليدي.
وتحتل الوجوه النسائية موقعًا أساسيًا في تجربتها، حيث تنشغل بملامح المرأة وتحوّلاتها عبر مراحل العمر، وبالعلاقة بين الفرد والذاكرة والهوية. وتظهر هذه الرؤية بوضوح في اهتمامها بتعدد الأجيال النسائية، من الطفولة إلى النضج والحكمة، باعتبارها امتدادًا للتجربة الإنسانية وتراكمًا للمعرفة والذكريات.
كما تنفتح أعمالها على مرجعيات ثقافية متعددة، تستلهم من العربي والأوروبي، وتبحث في كيفية تحويل هذه المرجعيات إلى عناصر ضمن لغة تشكيلية شخصية. وتتيح لها تقنيات المزج بين اللون والخامة والتكوين بناء أعمال تتجاور فيها الملامح والرموز والطبقات المادية، وفق مقاربة تعتمد التجريب بوصفه وسيلة لتوسيع إمكانات التعبير الفني.
«نضال من ألوان»: المرأة موضوعًا للبحث التشكيلي
صدر كتاب سناء هيشري «نضال من ألوان» عن دار نقوش عربية للنشر، وضم مجموعة من أعمالها التشكيلية، إلى جانب أعمال لفنانات من تلميذاتها. وقد احتفى الكتاب بالمرأة من خلال بورتريهات تتناول شخصيات نسائية من خلفيات وتجارب متنوعة، وتستكشف أبعادًا من هويتها ومسيرتها ومكانتها الإنسانية.
ويكتسب إدراج أعمال تلميذاتها ضمن الكتاب دلالة مرتبطة بمشروعها التعليمي؛ إذ يتيح الإصدار مساحة لعرض تجارب متعددة إلى جانب أعمالها، ويجمع بين ممارسة الفن ونقل الخبرة وإتاحة المجال أمام فنانات لتقديم أعمالهن.
«عروق الزمن»: حوار بين الصورة والكتابة
في كتابها الثاني «عروق الزمن – Les Veines du Temps»، الصادر عن دار نيرفانا للنشر والتوزيع، تواصل هيشري بحثها في المرأة والذاكرة والهوية، من خلال إصدار ثنائي اللغة بالعربية والفرنسية يجمع بين الأعمال التشكيلية والنصوص الأدبية المصاحبة لها.
تتخذ الوجوه في هذا المشروع موقعًا مركزيًا، بوصفها موضوعًا بصريًا يتيح التأمل في أثر السنوات والتحولات التي تمر بها الشخصية الإنسانية. وتبرز المرأة عبر أجيال متعاقبة، بما يحمله هذا الامتداد من علاقات بين الذاكرة والخبرة والتجربة، ومن إمكانات لقراءة الزمن من خلال الملامح.
ويقوم البناء الفني للكتاب على علاقة بين الصورة والكلمة، بحيث يحتفظ كل منهما بمساحته التعبيرية، بينما يفتح اجتماعهما مجالًا لقراءات متعددة. فالكتابة المصاحبة لا تقتصر على وصف اللوحات، بل تشاركها البحث في المعاني الإنسانية والثقافية التي تستثيرها.
ويواصل «عروق الزمن» بذلك مسارًا يجمع بين التشكيل والتأليف، ويقدّم تجربة هيشري في صيغة كتابية تحفظ الأعمال وتتيح تداولها خارج فضاء المعرض.
بين بروكسل وتونس والعالم العربي
امتدت أنشطة سناء هيشري الفنية والتعليمية بين بروكسل والإمارات العربية المتحدة وتونس، وشملت معارض وفعاليات ثقافية وورشات تدريبية في مجال الفنون الجميلة. وأسهم هذا الامتداد في وضع تجربتها ضمن سياقات ثقافية متعددة، تتقاطع فيها المرجعيات الأوروبية والعربية والتونسية.
كما امتد نشاطها الفني والثقافي إلى محطات عربية وأوروبية، في مسار تتجاور فيه مرجعيات متعددة وتلتقي ضمن بحثها عن لغة تشكيلية ذات بصمة خاصة.
وشاركت هيشري في لجان تقييم مسابقات تشكيلية، وحصلت على تكريمات وجوائز تقديرًا لمساهماتها الفنية والثقافية، وفق ما يرد في سيرتها المهنية. وتمثل هذه الأنشطة جوانب مختلفة من عملها، بين الإنتاج الفني والتعليم والمشاركة في الفعاليات المرتبطة بالفنون البصرية.
وتحمل هيشري كذلك عضوية المؤسسة التونسية لحقوق المؤلف في مجال التأليف الأدبي، إلى جانب عضويتها في الاتحاد التونسي للفنانين التشكيليين، ضمن مسار يجمع بين الممارسة التشكيلية والكتابة الأدبية.
الفن بوصفه مساهمة اجتماعية
يتصل مشروع هيشري الفني ببعد إنساني يظهر في مبادرتها إلى تخصيص عائدات مبيعات كتبها لدعم دور الأيتام. ومن خلال هذه المبادرة، تربط بين إنتاجها الثقافي والمساهمة الاجتماعية، وتجعل من الكتاب وسيلة لدعم العمل الخيري إلى جانب دورهش
.jpeg)

.jpeg)
.jpeg)
