حين يعصر الحبر أرواحنا...رتلٌ من الضوء يمشي على جمر الحقيقة اليوم الوطني للصحافة الجزائرية

 

22 أكتوبر 2026

في مطلع خريف كل عام، لا يمرّ الثاني والعشرون من أكتوبر مرور الغيوم العابرة، بل يطرق أبواب الذاكرة كخنجر من نور. إنه اليوم الوطني للصحافة الجزائرية، الموعد الذي لا يعتدّ بالبذلات الأنيقة بقدر ما يحتفي بآثار الحبر على الأنامل، وبأقدام أنهكتها أزقّة المتابعة، وعيون ساهرة تحرس بوصلة الوطن من الزيغ.

الصحافة، لمن لم يختبر مرارة عشقها، ليست ترفًا لغويًا، ولا استعراضًا لمهارة الصياغة على واجهات الصحف؛ إنها، باختصار شديد، ورطة مقدّسة: أن تكون شاهدًا على العصر، ومترجمًا لزفرات الشارع، ولسانًا لمن أخرسهم الإهمال أو أثقلتهم الجراح. وبين أوراق المفكّرة القديمة وعدسة الكاميرا التي لا تنام، يعيش الصحفي الجزائري كمن يمشي على حبل رفيع يمتدّ بين الحقيقة والمجهول؛ يواجه ضجيج الواقع بصمت بليغ، ويختزل وجع أمّة في سطر قد يكلّفه راحته، وربما عمره أحيانًا.

في مهنة المتاعب هذه، لا تُباع المبادئ في سوق المساومة، ولا تُستبدل حرارة الانتماء ببرودة المكاتب المكيفة. هناك، حيث يشتدّ التدافع بين ضجيج الأكاذيب ونقاء الحقيقة، يقف أبناء هذا السلك دروعًا للكلمة الحرّة، وحُرّاسًا للضمير الجمعي. ونترحّم بخشوع على أرواح أولئك الذين سقطوا وهم يفتّشون عن بصيص ضوء في أنفاق التعتيم، والذين ظلّت أسماؤهم وتضحياتهم محفورة في صفحات التاريخ، شاهدًا على أن الكلمة الحرّة في الجزائر كُتبت، في محطات موجعة، بمداد من دم.

إلى كل زميل وزميلة يقتاتون على تعب الحرف، ويحملون وطنًا كاملًا في حقيبة سفر صغيرة: كل عام وأنتم تمارسون هذا الجنون الجميل بشرف، وتحملون أمانة الكلمة بصدق ومسؤولية. فلتتعب الأجساد، ولتتثاقل الخطى، لكن إيّاكم أن ينطفئ القبس؛ فطالما في الشارع نبض، وفي الحياة حكايات تنتظر من ينصفها، ستظلّ الكلمة الصادقة حصنًا أخيرًا لا ينبغي أن يسقط، ومنارةً تهدي الوطن إلى الحقيقة مهما اشتدّ الظلام.

الكاتب بلعربي خالد

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology