بقلمي الأستاذة الناقدة سعيدة بركاتي تونس
عين على نص : " الخشب حين يتكلم بلسان الفقد " للأدبية نادين آل دعجه/ الأردن/ المقيمة ببريطانيا
قبل أن نمسك بمشرط النقد لنُشرِح هذا النص ، لا بد أن نقف قليلا عند عتبته الإنسانية ، لأننا لسنا أمام قطعة أدبية مصنوعة ببرود ، بل أمام طقس حداد . نادين لا تكتب ليعجب بها و يصفق لها ، هي تكتب ربما لتنجو ، و سنرى حين نتقدم في قراءة النص سنعرف مما هذه النجاة ؟ . فكل حرف في نصها محملا بثقل مزدوج ، ثقل الحرفة و ثقل الدمعة . فمن هي هذه المرأة التي تقف وحيدة؟
" الخشب حين يتكلم بلسان الفقد "
عنوان عميق و قوي في نفس الوقت و يبعث العديد من التساؤلات في ذهن المتلقي : بين الخشب و الفقد كلام يُقال في صمت و وجع ، فهذه العتبة فيها :
++ انزياح مزدوج :
الخشب مادة صلبة ، صامتة ، ميتة . فكيف لها أن تتكلم ؟ "هذا تشخيص للمادة " . ثم كلامه ليس بلسانه هو ، بل بلسان الفقد ، و هذا انزياح ثانٍ . الفقد لا لسان له ، لكن الكاتبة أعطته لساناً ثم أعارته للخشب . كأنه خلق لكائناً ثالثاً من مادتين مستحيلتين .
أليس غريبا أن يبدأ النص بالصمت ؟ " : أمام قطعة الخشب الصامتة و قفت كمن يواجه عتبة الذاكرة وحدها". لم تقل أمام الخشبة، بل أمام الصامتة ، فجعلت للصمت جسدا ، و هذا الصمت هو أول ما يرثه الإنسان من الموتى ، فالميت يترك خلفه صمتا أثقل من أي كلام . و العتبة هنا ليست مجرد كلمة عابرة ، هي اختيار يكشف عمق الشعور ، فالعتبة مكان لا أنت داخله و لا خارجه ، فهو معلق ، و هذا بالضبط هو حال من فقد أباه ، لا هو قادر على العودة إلى ما قبل الفقد ، و لا هو قادر على الدخول كليا إلى حياة ما بعده .
ثم كيف يتحول هذا الصامت إلى ناطق ؟ تقول "لم تكن مجرد مادة صلبة نتلمس قوامها بل كانت صفحة حية من أيام مضت" . هل رأيت أيها القارئ هذا الانقلاب ؟ من الصلابة إلى الحياة ، من المادة التي تُلمس إلى الصفحة التي تُقرأ . فالخشب هنا استعارة للذاكرة نفسها ، قاس في ظاهره لكنه يحتفظ " بحلقات " عمر الشجرة كما يحتفظ القلب بحلقات العمر مع الأب . و لهذا لم تختر نادين القلم ، بل اختارت "أدوات النقش". فيُطرح السؤال : لماذا هذا الفعل : النقش تحديدا ؟ لأن الكتابة قد تُمحى بفعل الزمن ، أما النقش فهو مثل الجرح ، لا يندمل ، و هذا حال نادين تريد جرحا لا يلتئم ، تقول : "بيد مرتعشة و قلب مثقل بالفقد أمسكت بأدوات النقش لا لأحفر حروفا عابرة بل لأعيد إحياء الحياة في تفاصيلك" . اليد المرتعشة هي جسد الحزن ، و القلب المثقل هو روحه ، و النفي "لا لأحفر حروفا عابرة" هو إعلان نية أراها " مقدسة " ، كأنها تقول هذا ليس زخرفة و جمال للزينة ، بل هذا بعث لروح أب تنقشها على الخشب .
و ماذا نقشَت أولا ؟ "خططت اسمك وجاورته صورتك التي لا تفارق ذهني" : الاسم مجاور للصورة ، اللغة مجاورة للوجه ، كأنها تحاول أن تجمع شتات الأب بين الكلمة و الملامح . و بعدها مباشرة تنهمر الحروف "تتلو آلام الشوق الذي لا ينطفئ". هل لاحظتم فعل "تتلو" ؟ الحروف هنا لا تُكتب ، بل تتلو كآيات حزن ، كأن الشوق أصبح قرآنا خاصا بها لا ينطفئ .
و أي اعتراف أكثر وجعا من قولها "كل قطع الخشب في العالم لن تكفي لتجسيد مشاعري و لا لعمق اشتياقي إليك" ؟ هذه هي ذروة المجاز ، حيث تعلن فشل أداتها وهي في أوج استخدامها . فقد أقرت ضمنيا ان مادة الخشب محدودة ، و الاشتياق لا نهائي ، فالنقش محكوم عليه بالنقصان منذ البداية . و مع ذلك تصر : "على هذه اللوحة قررت أن أنقش الحكاية يوما بيوم". لماذا يوما بيوم ؟ لأن الفقد ليس حدثا واحدا ينتهي ، بل هو تقويم جديد ، كل يوم فيه حكاية فقد جديدة .
في كل نص و كل قصة يجد القارئ نفسه يبحث عن القلب النابض له ، قد يكون في كلمة أو جملة أو فقرة أو القصة كلها ، نصنا الحالي به مشهد فسر كل شيء ، حين يتحول الأب من شخص إلى عالم كامل : "أتذكر كل لحظة جميلة كنت فيها معي سندي الذي أستند إليه عندما يشتد العالم حولي و كتفي الحامي و دعمك الذي كان يمهد لي دروب الحياة ، كنت ترافقني في كل خطوة ظلا آمنا و دفئا لا يعوض". السند و الكتف و الدرب و الظل و الدفء : أليست هذه هي أركان كل البيت ؟ حين توفي الأب ، لم يمت رجل ، بل انهدم بيت بأكمله و بما فيه ، و لهذا هي اليوم "وحدي أناجي طيفك وأنقش الحنين كي لا يتلاشى". تناجي طيفا لا جسد له ، و تنقش حنينا لا خشب له ، فهل هناك فعل أكثر هشاشة و أكثر بطولة من هذا؟
"حفرت اسمك فوق خشب الحنين لن أنساك يا أبي". لقد لخصت الرحلة في هذه الجملة : لم تعد تقول فوق الخشب ، بل فوق خشب الحنين ، فحولت شعورها إلى مادة ، و المادة إلى شعور . فمن الحافر ومن المحفور عليه الآن ؟ أليست نادين نفسها قد تحولت إلى لوحة حفر عليها الفقد اسمه إلى الأبد ؟
يتضح جليا مما تقدم أن النص ليس رثاء تقليديا بقدر ما هو فعل مقاومة وجودية ، فالخشب الصامت الذي بدأ كعتبة للذاكرة انتهى ليصبح هو الذاكرة ذاتها ، و خشب الحنين الذي ختمت به نادين اعترافها يكشف أن النقش لم يكن على لوح خارجي بل كان على لوح القلب ، و أن كل استعارات السند و الكتف و الظل و الدفء لم تكن وصفا للأب الراحل بقدر ما كانت توصيفا للفراغ الهائل الذي تركه في عالم الكاتبة .
و إجابة على السؤال أعلاه ، فمن هي هذه المرأة التي تقف وحيدة ؟ إنها ابنة فقدت معمارها ، كما قالت و وجدت نفسها مضطرة لأن تصبح هي النجارة والخشبة والنقش في آن واحد
و هكذا يتحول فعل "حفرت اسمك" من فعل يدوي مرتعش إلى عهد روحي أبدي ، عهد بأن الحب الذي عجز اللسان عن الإفصاح عنه سيظل محفورا لا يُمحى ، لأن من ينقش على الحنين لا يخشى تلاشي الخشب.
بقلم الأستاذة الناقدة سعيدة بركاتي/ تونس
قبل أن نمسك بمشرط النقد لنُشرِح هذا النص ، لا بد أن نقف قليلا عند عتبته الإنسانية ، لأننا لسنا أمام قطعة أدبية مصنوعة ببرود ، بل أمام طقس حداد . نادين لا تكتب ليعجب بها و يصفق لها ، هي تكتب ربما لتنجو ، و سنرى حين نتقدم في قراءة النص سنعرف مما هذه النجاة ؟ . فكل حرف في نصها محملا بثقل مزدوج ، ثقل الحرفة و ثقل الدمعة . فمن هي هذه المرأة التي تقف وحيدة؟
" الخشب حين يتكلم بلسان الفقد "
عنوان عميق و قوي في نفس الوقت و يبعث العديد من التساؤلات في ذهن المتلقي : بين الخشب و الفقد كلام يُقال في صمت و وجع ، فهذه العتبة فيها :
++ انزياح مزدوج :
الخشب مادة صلبة ، صامتة ، ميتة . فكيف لها أن تتكلم ؟ "هذا تشخيص للمادة " . ثم كلامه ليس بلسانه هو ، بل بلسان الفقد ، و هذا انزياح ثانٍ . الفقد لا لسان له ، لكن الكاتبة أعطته لساناً ثم أعارته للخشب . كأنه خلق لكائناً ثالثاً من مادتين مستحيلتين .
أليس غريبا أن يبدأ النص بالصمت ؟ " : أمام قطعة الخشب الصامتة و قفت كمن يواجه عتبة الذاكرة وحدها". لم تقل أمام الخشبة، بل أمام الصامتة ، فجعلت للصمت جسدا ، و هذا الصمت هو أول ما يرثه الإنسان من الموتى ، فالميت يترك خلفه صمتا أثقل من أي كلام . و العتبة هنا ليست مجرد كلمة عابرة ، هي اختيار يكشف عمق الشعور ، فالعتبة مكان لا أنت داخله و لا خارجه ، فهو معلق ، و هذا بالضبط هو حال من فقد أباه ، لا هو قادر على العودة إلى ما قبل الفقد ، و لا هو قادر على الدخول كليا إلى حياة ما بعده .
ثم كيف يتحول هذا الصامت إلى ناطق ؟ تقول "لم تكن مجرد مادة صلبة نتلمس قوامها بل كانت صفحة حية من أيام مضت" . هل رأيت أيها القارئ هذا الانقلاب ؟ من الصلابة إلى الحياة ، من المادة التي تُلمس إلى الصفحة التي تُقرأ . فالخشب هنا استعارة للذاكرة نفسها ، قاس في ظاهره لكنه يحتفظ " بحلقات " عمر الشجرة كما يحتفظ القلب بحلقات العمر مع الأب . و لهذا لم تختر نادين القلم ، بل اختارت "أدوات النقش". فيُطرح السؤال : لماذا هذا الفعل : النقش تحديدا ؟ لأن الكتابة قد تُمحى بفعل الزمن ، أما النقش فهو مثل الجرح ، لا يندمل ، و هذا حال نادين تريد جرحا لا يلتئم ، تقول : "بيد مرتعشة و قلب مثقل بالفقد أمسكت بأدوات النقش لا لأحفر حروفا عابرة بل لأعيد إحياء الحياة في تفاصيلك" . اليد المرتعشة هي جسد الحزن ، و القلب المثقل هو روحه ، و النفي "لا لأحفر حروفا عابرة" هو إعلان نية أراها " مقدسة " ، كأنها تقول هذا ليس زخرفة و جمال للزينة ، بل هذا بعث لروح أب تنقشها على الخشب .
و ماذا نقشَت أولا ؟ "خططت اسمك وجاورته صورتك التي لا تفارق ذهني" : الاسم مجاور للصورة ، اللغة مجاورة للوجه ، كأنها تحاول أن تجمع شتات الأب بين الكلمة و الملامح . و بعدها مباشرة تنهمر الحروف "تتلو آلام الشوق الذي لا ينطفئ". هل لاحظتم فعل "تتلو" ؟ الحروف هنا لا تُكتب ، بل تتلو كآيات حزن ، كأن الشوق أصبح قرآنا خاصا بها لا ينطفئ .
و أي اعتراف أكثر وجعا من قولها "كل قطع الخشب في العالم لن تكفي لتجسيد مشاعري و لا لعمق اشتياقي إليك" ؟ هذه هي ذروة المجاز ، حيث تعلن فشل أداتها وهي في أوج استخدامها . فقد أقرت ضمنيا ان مادة الخشب محدودة ، و الاشتياق لا نهائي ، فالنقش محكوم عليه بالنقصان منذ البداية . و مع ذلك تصر : "على هذه اللوحة قررت أن أنقش الحكاية يوما بيوم". لماذا يوما بيوم ؟ لأن الفقد ليس حدثا واحدا ينتهي ، بل هو تقويم جديد ، كل يوم فيه حكاية فقد جديدة .
في كل نص و كل قصة يجد القارئ نفسه يبحث عن القلب النابض له ، قد يكون في كلمة أو جملة أو فقرة أو القصة كلها ، نصنا الحالي به مشهد فسر كل شيء ، حين يتحول الأب من شخص إلى عالم كامل : "أتذكر كل لحظة جميلة كنت فيها معي سندي الذي أستند إليه عندما يشتد العالم حولي و كتفي الحامي و دعمك الذي كان يمهد لي دروب الحياة ، كنت ترافقني في كل خطوة ظلا آمنا و دفئا لا يعوض". السند و الكتف و الدرب و الظل و الدفء : أليست هذه هي أركان كل البيت ؟ حين توفي الأب ، لم يمت رجل ، بل انهدم بيت بأكمله و بما فيه ، و لهذا هي اليوم "وحدي أناجي طيفك وأنقش الحنين كي لا يتلاشى". تناجي طيفا لا جسد له ، و تنقش حنينا لا خشب له ، فهل هناك فعل أكثر هشاشة و أكثر بطولة من هذا؟
"حفرت اسمك فوق خشب الحنين لن أنساك يا أبي". لقد لخصت الرحلة في هذه الجملة : لم تعد تقول فوق الخشب ، بل فوق خشب الحنين ، فحولت شعورها إلى مادة ، و المادة إلى شعور . فمن الحافر ومن المحفور عليه الآن ؟ أليست نادين نفسها قد تحولت إلى لوحة حفر عليها الفقد اسمه إلى الأبد ؟
يتضح جليا مما تقدم أن النص ليس رثاء تقليديا بقدر ما هو فعل مقاومة وجودية ، فالخشب الصامت الذي بدأ كعتبة للذاكرة انتهى ليصبح هو الذاكرة ذاتها ، و خشب الحنين الذي ختمت به نادين اعترافها يكشف أن النقش لم يكن على لوح خارجي بل كان على لوح القلب ، و أن كل استعارات السند و الكتف و الظل و الدفء لم تكن وصفا للأب الراحل بقدر ما كانت توصيفا للفراغ الهائل الذي تركه في عالم الكاتبة .
و إجابة على السؤال أعلاه ، فمن هي هذه المرأة التي تقف وحيدة ؟ إنها ابنة فقدت معمارها ، كما قالت و وجدت نفسها مضطرة لأن تصبح هي النجارة والخشبة والنقش في آن واحد
و هكذا يتحول فعل "حفرت اسمك" من فعل يدوي مرتعش إلى عهد روحي أبدي ، عهد بأن الحب الذي عجز اللسان عن الإفصاح عنه سيظل محفورا لا يُمحى ، لأن من ينقش على الحنين لا يخشى تلاشي الخشب.
النص:
نقش على الخشب.. نبض من نادين إلى روح والدي
أمام قطعة الخشب الصامتة وقفت كمن يواجه عتبة الذاكرة وحدها
لم تكن مجرد مادة صلبة نتلمس قوامها بل كانت صفحة حية من أيام مضت ومساحة أخيرة أريد لها أن تروي ما عجز اللسان عن الإفصاح عنه بالكامل
بيد مرتعشة وقلب مثقل بالفقد أمسكت بأدوات النقش لا لأحفر حروفا عابرة بل لأعيد إحياء الحياة في تفاصيلك
خططت اسمك وجاورته صورتك التي لا تفارق ذهني ثم انهمرت الحروف تتلو آلام الشوق الذي لا ينطفئ أدركت حينها وبكل مرارة الفقد أن كل قطع الخشب في العالم لن تكفي لتجسيد مشاعري ولا لعمق اشتياقي إليك
على هذه اللوحة قررت أن أنقش الحكاية يوما بيوم
سأكتب تفاصيل كل يوم قضيناه معا
أتذكر كل لحظة جميلة كنت فيها معي سندي الذي أستند إليه عندما يشتد العالم حولي وكتفي الحامي ودعمك الذي كان يمهد لي دروب الحياة
كنت ترافقني في كل خطوة ظلا آمنا ودفئا لا يعوض
واليوم وحدي أناجي طيفك وأنقش الحنين كي لا يتلاشى
حفرت اسمك
فوق خشب الحنين
لن أنساك يا أبي
بقلم نادين آل دعجه
