من السرد إلى المسردية: نحو خطاب سردي مغاير في مشروع عزالدين جلاوجي



الأستاذة الدكتورة وسام علي الخالدي منشورات سرمداء للنشر والترجمة، الجزائر.

بقلم : سعاد المرنيصي تونس


كتاب نقدي بالغ الأهمية ومنجز استثنائي للباحثة العراقية الدكتورة وسام الخالدي، فمنذ العتبة الأولى يستوقفنا هذا العنوان المغري الذي يوقظ فضول القارئ ويدفعه إلى الغوص في عوالم المسرديّة بحثًا عن جماليّة هذا التمرّد الأدبيّ المتفرد واستكشافا لما يقترحه من إمكانات جديدة في الكتابة والتجنيس. ولا يكتفي الكتاب بتقديم المسردية بوصفها ظاهرة عابرة للحدود الأجناسيّة بل يدفعنا إلى إعادة النظر في الكيفيّة التي نُسمي بها النصّ الإبداعي المعاصر وفي الحدود التي اعتدنا رسمها بين الأجناس الأدبيّة.

وتتّخذ الرّحلة النقديّة التي اقترحتها الدكتورة وسام الخالدي أبعادًا أعمق، إذ تسعى إلى الكشف عن الآليّات التي تعمل بها هذه النّصوص المتمرّدة من الداخل، والطرق التي تعيد بها بناء قوانينها الجماليّة الخاصّة ونُظم اشتغالها وهي تعبر بين السرد والمسرح دون أن تستسلم بالكامل لقوانين أيّ منهما. إنّه كتاب يزجّ بالقارئ في عوالم المسرديّة لعز الدين جلاوجي، عوالم تنفتح على التداخل والتجاور والتحول وتقاوم الأطر التقليدية التي اعتادت أن تحاصر الإبداع داخل قوالب جاهزة. فالمسردية، كما تكشف هذه القراءة النقدية، لا تستعير هذه الأشكال التعبيرية لمجرد الاستعارة، وإنما تجعلها تتشكل داخل كيان إبداعي جديد تتفاعل فيه وتنصهر. 

ولعل أجمل ما يتيحه هذا المنجز النقدي أنه يجعلنا ننظر إلى المسرديّة لا بوصفها مجرّد مزج بين جنسين، وإنّما بوصفها مغامرة جماليّة وفكريّة تعيد مساءلة مفهوم الجنس الأدبيّ وتفتح للكتابة إمكانات جديدة للتّشكل والانفتاح. إنّها كتابة لا تخشى التّداخل، بل تجعل منه طاقة مولّدة للمعنى ومساحة رحبة لولادة أشكال إبداعيّة تتجاوز المألوف دون أن تفقد صلتها بالجذور.

وفي هذه الدراسة تلتقط الباحثة بوعي نقديّ دقيق الطريقة التي تتنفس بها اللغة داخل هذا النص المتمرد، إنها لا تتوقف عند ما تقوله اللّغة، بل تنفذ إلى الكيفية التي يتشكل بها قولها، وإلى ما تضمره خلف ما تفصح عنه. إنها ترصد ذلك التردّد الخلاّق بين آليات النّصّ الحكائيّ وتقنيات المسرح وقنواته التعبيريّة، حيث تتداخل الوظائف وتتجاور الأصوات ويتراجع حضور الكاتب خلف حركة النصّ وتوتراته الداخليّة.

 لقد تعاملت النّاقدة مع النصوص بوصفها كائنات حيّة تخفي أكثر مما تظهر وتسرّ أكثر مما تعلن وتترك في بنيتها فراغات ومساحات لا تستجيب لقراءة أحاديّة أو لتصنيف أجناسيّ مغلق، ولذلك لم تنشغل بالبحث عما يقوله النصّ بقدر انشغالها بالإنصات إلى كيفية اشتغاله، إلى إيقاعه الخفيّ، إلى ارتجافاته وتوتراته، إلى تلك المناطق التي تتولد فيها الدلالة عن احتكاك السرد بالمسرح وعن تفاعل المكتوب مع المتخيل الركحيّ وعن التوتّر بين ما يُروى وما يُسمع وما يُرى.

وهكذا تتحوّل القراءة، في تصوّر الباحثة، إلى فعل إنصات وحركة، لا فعل استهلاك للمعنى الجاهز، فالقارئ مدعوٌّ إلى أنْ يتحرّك وفق ذبذبات النصّ، وأنْ ينتقل بين العيْن والأذن، بين الصفحة والخشبة، بين الكلمة وحضورها الرمزيّ، وبين ما تمنحه اللّغة وما تتعمد تركه معلَّقًا في فضاء الاحتمال، إنّه أمام نصّ دلالته غير قابلة للنفاد، أمام كيان متحّرك يطالبه بالتقاط الإمكانات المفتوحة التي يتركها. 

وتفتح هذه المقاربة النقديَّة الباب أمام قضيَّة شائكة وحاسمة في عالم النقد الأدبيّ: إذا كانت هذه النّصوص حيّة متمرّدة ومتحرّكة على هذا النّحو، فبأيّ الأدوات يُمكن مقاربتها؟ وهل تظلّ الأدوات النقديّة التي تشكّلت في ظلّ الحدود الأجناسيّة التقليديّة قادرة على قياس نصوص تتجاوز تلك الحدود وتعيد ترتيب العلاقة بينها؟

هنا يقف المنجز النقديّ عند نقطة شديدة الحساسيّة، إذ لا تصبح المسألة متّصلة بالرغبة في دراسة مصطلح جديد أو التعريف بجنس إبداعيّ مستحدث، ولا تنحصر في البحث عن شرعيّة هذه التسمية "مسرديّة" وإنما تتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر عُمقا.

كيْف يمكن للنّقد أن يبتكر لغته الخاصّة لمرافقة هذا التّجريب الإبداعيّ العربيّ دون أن تفرض عليه قوالب جاهزة تُضيّق من إمكاناته؟ 

إنَّ الرّهان، في جوهره، هو العثور على لغة نقديَّة قادرة على الدُّخول إلى النَّصِّ المتمرِّد من داخله، لغة لا تقف خارجه لتُصنِّفه، بل تُنصت إلى حركته الداخليَّة وتَتَعقَّب مسارات تشكله وترصُد اللَّحظة التي يتحوَّل فيها الحبرُ المتراصُّ على الصفحة إلى فضاء آخر للحياة والعرض. ومن هذه الزاوية تتحوَّل المسرديَّة اختبارًا حقيقيًّا لمرونة الجهاز النقديّ نفسه، فالنصُّ لا يكتفي بخرق الحدود بين الأجناس، إنه يدفع الناقدة إلى مراجعة أدوات هذا الجهاز  ومفاهيمه وطرائق اشتغاله، لذلك لا يصبح السؤال الذي يشغل الناقد  إلى أيّ جنس ينتمي النّصّ؟ فحسب، وإنّما ينبثق سؤال آخر يصاحبه؛ أيّ نقد يستطيع أن يرافق نصًّا تتغيّر هويّته وهو يتشكّل؟ وهنا تكمن أهميّة هذا المشروع الّذي تنهض به الناقدة العراقيّة الدكتورة وسام الخالدي.

فهي لا تلاحق المُصطلح بوصفه تسْمية جديدة، إنّها ترصد ما يستدعيه هذا المصطلح من تحوّل في طرائق القراءة ذاتها. إنّ النّصّ المتمرِّد يحتاج نقدا يتحرَّك معه ويصغي إلى ارتعاشاته ويقرأ مناطق العبور فيه ويترك للمعنى أن يتشكّل في تلك المسافات الخلاّقة بين الصّفحة والخشبة وبين السّرد والمشهد وبين ما تكتبه اللّغة وما تفتحه من إمكانات للعرض والتَّخييل.

ولا تقف الباحثة عند مظاهر هذا التمّرد النصيّ، بل تتقصّى جذوره العميقة، فهو في تصّورها لم ينْبثِق من فراغ، إنّه انعكاس لتحوّل جوهريّ في طبيعة التّجربة الإنسانيّة المعاصرة؛ فليس للإنسان اليوم حياة مستقيمة المسار يمكن اختزالها في خطّ سرديّ واحد مثل أبطال الرّوايات الكلاسيكيّة، وإنّما يعيش تجربة سريعة الانقطاع متشعّبة المسارات منقطعة اللّحظات، تتداخل فيها المفاجآت والاحتمالات، ويتشابك فيها الذاتيّ بالآخر والخاصّ بالعامّ والحاضر بالماضي والموضوعيّ بالذاتيّ والوعي باللاّوعي.

 ومن هنا ندرك أن تمرّد هذه النّصوص على القوالب الجاهزة يمثل استجابة عميقة لتشظّي التّجربة الإنسانيّة ذاتها، فحين تتغيّر طبيعة الواقع تتغيّر طريقة التّمثيل، وحين يعجز القالب الواحد على استيعاب تعدّد التّجربة تبحث الكتابة عن أشكال أكثر رحابة قادرة على التقاط إيقاع الواقع، عالم لا يتحرّك باتّجاه واحد، عالم أصبح أوسع من أن تلتقطه كاميرا سردية واحدة، لذلك كان على المبدع أن يلتقط عن عدسات متعددّة وعن مساحات جديدة للعرض والقول والتخييل.

وهكذا تتجلى أهميّة هذا المشروع النّقدي الذي تؤسّسه الباحثة، إنَّها تبني جسرا بين النّصّ الإبداعيّ والواقع الذي أنجبه، ولا تكتفي بإسقاط نظريّات جاهزة نشأت في سياقات تاريخيّة وثقافيّة مغايرة. إنّها تحاول أن تجعل النقد متّصلا بحركة النصّ وبِنبْض التّجربة التي أنجبته. وعند هذه النقطة يتقابل متمرّدان، مبدع متمرّد يرْفضُ أن تحاصره القوالب، وناقدة متمرّدة ترفض أنْ تقرأ هذا الإبداع بأدوات جامدة. الكاتب يوسّع حدود الكتابة، والنّاقدة توسّع حدود القراءة. وهذه الفكرة وحدها كفيلة بتغيير الكثير من معادلات القراءة، فالنّصّ وفق هذا التصوّر لا تنتهي حياته عند الصفحة الأخيرة ولا يغادر القارئ بمجرد أن يطوي الكتاب، ذلك أن المسرديّة ليست مجرّد مسألة رياضيّة ذات حلّ واحد ولا بنية مغلقة تستنفد ها القراءة الأولى، إنّها كيان متجدّد ناقص بالمعنى الخلاّق، والقارئ الجيّد لا يخرج من النصّ وقد امتلك معناه، إنّه يخرج منه وقد امتلك دهشة السؤال، يخرج محمّلا بمساحات جديدة للتفكير.

  وتتجاوز الناقدة في هذا المنجز صورة الطّبيب الشّرعيّ الذي يضع النصّ على الطاولة، طاولة التّشريح، ويفكّك أعضاءه ليقف عند بنيته النّهائيّة لتتحوّل إلى شريك في الفعل الإبداعيّ نفسه، شريك يصغي إلى النصّ وهو يتكون، إنّها لا تتعامل مع المسرديّة بوصفها جثّة نقديّة قابلة للتّشريح، وإنّما بوصفها كائنا حيّا يستمّر في التشكّل كلّما دخلته قراءة جديدة. ولذلك فإنّ كتابها لا يبدو مجرّد دراسة في مصطلح المسرديّة أو في إشكالّية التجنيس، وإنّما يتحوّل شهادة حيّة على شغف القراءة، وعلى قدرة النقد حين يتحرّر من صرامة القوالب 

فالأديب عزّ الدين جلاوجيّ كتب المسرديّة مّرة حين وضعها على الصّفحة، لكنّ النصّ يمكن أن يولد مرّة أخرى في عين قارئ مختلف، وفي وعي ناقد مختلف، وفي كل قراءة قادرة على اكتشاف إمكان لم تكن القراءة السابقة قد أبصرته. إنّ النصّ الحيّ مستمرّ في الولادة كلّما لامسته قراءة جديدة، إنّها تمنحه حياة جديد.

وتخلص الباحثة في هذه المقاربة الى التأكيد على أنّ المسردية رؤيةٌ فنيّةٌ متكاملة تعيد مساءلة أشكال الكتابة السرديّة وآفاقها، وتشرّع الأبواب للبحث في تحوّلات الخطاب الإبداعيّ العربيّ المعاص


إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology