غرب الروح في الموطن



بقلم :أ-عزمي صالح الدعجري 

حين يصبح الوطن المكاني مفقدا للسكينة، وتتحول الملامح المألوفة إلى صدى زامن لعزلة الداخلية عميقة. يمشي المرء في الشوارع التي طالما حفظ ملامحها عن ظهر قلب، ويمر بالجدران التي شهدت خطوات طفولته الأولى، ويتنفس الهواء الذي صاغ أنفاسه الممتدة، ولكنه رغم كل هذا الكم من الألفة الظاهرة، يشعر ببرودة سارية في الوجدان، كأنه غريب يعبر أرضا لا تعرفه، أو زائر يتجول في ذاكرة لم تعد ملكا له.

إن أشد أنواع الاغتراب إيلاما ليس ذاك الذي يقاس بالمسافات الحدودية والأسفار الشاسعة، بل هو الاغتراب الذي يستكن في العمق حين يغدو المكان حاضرا فيزيائيا وتغيب معانيه الإنسانية. يحدث ذلك عندما يتغير المشهد الداخلي للإنسان، وتتبدل قيمه وتطلعاته بينما يبقى العالم الخارجي على حاله، أو حين يتبدل المكان نفسه سريعا حتى يفقد هويته الأصيلة التي صاغت ذاكرتنا. حينئذ، تصبح الملامح المألوفة مجرد هياكل صامتة لا تعكس أرواحنا، وتغدو المدينة الكبيرة مجرد مسرح زاحم بالأجساد الفارغة والوجوه العابرة.

تكمن المأساة الإنسانية في أن الموطن ليس جغرافيا صلبة تحدد بالخرائط، بل هو انتماء نفسي شامل، وحالة مستقرة من الطمأنينة والأمان. فإذا ما افتقد المرء هذا الشعور الجوهري، أمسى الغبار المألوف في زوايا الحي يثقل الصدر، وأصبحت الأصوات التي كانت تؤنسه قديما حجيجا يرهق المسامع. يمشي المرء بين صحبه وناسه، يحمل لغتهم ويرتدي زيهم ويشاركهم تفاصيل يومهم، لكن لغة أخرى خفية تدور في داخله، لا يفهمها أحد حوله، فيتشكل بينه وبينهم جدار شفاف ولكنه صلب من الصمت والعزلة.

ومع ذلك، فإن اغتراب الروح في أصله ليس مجرد انكسار أو هزيمة نفسية، بل هو سؤال بحثي عميق عن المعنى، ومحاولة سامية للحفاظ على الأصالة في عالم يتجه بسرعة نحو السطحية والمادية. حين يشعر الإنسان بالعزلة الداخلية وهو في قلب داره، فذلك دليل قاطع على أن روحه ما زالت حية تبحث عما هو أعمق من مجرد الاستقرار المادي أو التألف الشكلي. إنها تبحث عن ألفة وجدانية تشبهها، وعن سكينة عميقة تعيد للمكان حضارته الداخلية وقيمته الروحية.

تتضاعف هذه الحالة حين يدرك المرء أن التغيير الحاصل ليس في المكان وحده، بل في أدوات التواصل وعلاقات البشر. لقد أصبحت العلاقات أكثر هشاشة، وباتت الحوارات تدور حول القشور دون النفاذ إلى العمق، مما يجعل ذوي الأرواح الحساسة يشعرون بأنهم يتكلمون لغة بائدة لا تجد صداها في الواقع المعاصر. هذا الفارق الدقيق بين ما يحمله المرء في وعيه وبين ما يراه حوله هو المصدر الحقيقي للغربة.

وفي النهاية، يبقى هذا الاغتراب شهادة ناصعة على عمق الوعي وصفاء الفطرة؛ فالموطن الحقيقي ليس مجرد بقعة جغرافية نطأها بأقدامنا، بل هو المساحة الإنسانية التي تتصالح فيها الأرواح مع ذواتها، وتجد فيها الطمأنينة التي لا تزعزعها المتاعب ولا تغيرها المطائب. وحتى نجد تلك المساحة، سنظل نحمل غربتنا بصمت ووقار، نطلب في وجوه العابرين وفي زوايا الأماكن عن وطن حقيقي لا يغيب، وعن سكينة تستقر فيها أرواحنا أخرى.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology