جردٌ أخيرٌ لجسدٍ مستأجَر

 


الشاعر محمد العويطي

أستيقظُ كلَّ صباحٍ،

لا لأعيش، بل لأُثبتَ للوقتِ أنني ما زلتُ صالحاً للاستعمال.

أُمرِّرُ يدي على وجهي،

فأتحسسُ أصابعَ مديري في العمل،

وخلفَ ظهري، أسمعُ لهاثَ المجهولِ

يضبطُ ساعتي البيولوجيّةَ على توقيتِ الانهيار.

أريدُ أن أحبكِ..

ببساطةِ عشبٍ يتسلّقُ جداراً،

لكنَّ الجدارَ في مدينتنا معروضٌ للبيع،

والحبَّ ليس خفقةً في الصدر،

بل دمغةٌ على عقدٍ، وخاتمٌ يبتلعُ نصفَ العمر.

يُطالبني العالمُ بأن أكونَ "رجلاً"..

أن أقفَ كعمودِ خيمةٍ لا تهزّهُ الريح،

أن أكونَ السقفَ والجدارَ والباب،

قبل أن يمنحني شبراً واحداً لأغرسَ فيه قدميّ!

يُحرّضونني على "امتلاككِ"،

كأنكِ مساحةٌ تُضافُ إلى ممتلكاتي العقارية،

وأنا الذي لا أملكُ حتى ظلي،

حين تنطفئُ مصابيحُ الشارعِ العام.

في الزمنِ القديم..

كان عروةُ ينزفُ أمامَ خيامِ القبيلة،

وكان جميلُ يبكي خلفَ سيوفِ بني عذرة،

وكُثيّرُ يلعنُ الأنسابَ التي حالتْ بينهُ وبين عزّة.

كانوا عشاقاً بكاملِ أناقةِ المأساة،

لأنَّ ما فصلهم عن الحبِّ كان شرفاً، أو دماً، أو سيفاً يلمعُ في الشمس.

أما أنا..

فلا أملكُ رفاهيةَ أن أكونَ عاشقا تراجيديّاً.

خيمتي التي تفصلني عنكِ: كشفُ حسابٍ بنكي،

وسيوفُ القبيلةِ تحوّلتْ إلى شاشاتِ بورصةٍ،

وإيجاراتٍ، وفواتيرَ لا تعترفُ بالشعر.

أنا عاشقٌ لا يحقُّ لهُ أن يموتَ من العشق،

لأنَّ عليه أولاً.. أن يُثبتَ قدرتَهُ على دفعِ ثمنِ الكفن!

من الذي يملكُ حقَّ تقريرِ مَن أُحب؟

سؤالٌ يسحبني من ياقةِ قميصي إلى الهاوية.

يقولونَ إننا "محكومونَ بالحرية"،

وإنّ الإنسانَ مشروعٌ يسبقُ ماهيّتَه،

يرسمُ نفسَهُ بنفسه في لوحةِ الوجود..

لكنهم لم يخبروني:

كيفَ أكونُ مشروعاً حراً،

وأنا لا أمتلكُ حتى هذا الجسدَ الذي يحملني؟

جسدي ليس وطناً،

إنه شقةٌ مفروشةٌ يتقاسمها الغرباء:

العملُ يستأجرُ ذراعيَّ وعينيَّ ثماني ساعاتٍ في اليوم،

الأسرةُ تحتكرُ حبالي الصوتيةَ لأردّدَ ما ورثوه عن الأجداد،

المجتمعُ يضعُ "كتالوجاً" لابتسامتي، وطريقةِ مشيتي، ونوعِ قمصاني،

والفقرُ..

الفقرُ ليس معدةً خاوية،

الفقرُ هو حارسُ العمارةِ الذي يمسكُ برقبتي،

يحددُ لي أيَّ الرصيفينِ أسلك،

وفي أيِّ غرفةٍ مظلمةٍ سأُدفَنُ حيّاً.

المستقبلُ يمشي خلفي..

يسحبُ قدميهِ بملل،

يُدخنُ سجائرهُ الرخيصةَ وينفثُ الدخانَ في عيني،

يفتحُ لي أبواباً لا تُفضي إلا إلى سلالمَ مكسورة،

ويقفُ في نهايةِ الطريق،

مبتسماً كسمسارٍ ينتظرُ عمولتَهُ من خيبتي.

يا حبيبتي..

أنا لا أبحثُ في عينيكِ عن امرأةٍ أمتلكها لتكملَ نقصي،

ولا أريدُكِ ضلعاً، ولا تابعاً، ولا مكافأةَ نهايةِ الخدمة.

أنا فقط.. أبحثُ عن حقي في أن أختارَ خسائري بنفسي،

عن مساحةٍ صغيرةٍ أكونُ فيها أنا،

دون أن تتدخلَ يدٌ خفيةٌ لتُعدّلَ السيناريو.

لكنَّ المفارقةَ تصفعني:

كيفَ أُمسكُ بيدكِ لِنعبرَ الشارع،

ويدي نفسُها.. مرهونةٌ في خزائنِ الآخرين؟

أقفُ الآن في منتصفِ العمر،

أدسُّ يدي في جيبي لأبحثَ عنّي..

فلا أجدُ سوى أصابعِ العالم،

تُحكمُ قبضتَها،

على ما تبقّى من حنجرتي.


 

القاهرة ٢٠٢٤

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology