رحلتي في نصوص الكاتبة الأردنية نادين آل دعجة الكاتب و الأديب اللبناني / بلال اسماعيل



خلف شاشات المسافات والانتظار، 

تبدأ الحكاية من حيث تولد الوعود من هواء مفرغ و تتلاشى بلا ضجيج،

تكتشف نادين آل دعجة أن الكلمات الجميلة لم تكن سوى حبر مكتوب في الهواء، وأن الصدمة الحقيقية تكمن في طعنات من سكنوا الروح ثم ارتدوا وجوها مستعارة لاستغلال الطيبة. 

لكنها اختارت الصمت المجلجل والانسحاب الهادئ، مدركة أن العتاب الصاخب لا يعيد للذكريات براءتها،

منذ الطفولة، ولدت بقلب يرتجف وخلل قديم في الإيقاع تجعل نبضها مهمة شاقة، 

وكان رنين صوت أبيها هو المنظم الوحيد لقلبها وملاذها الآمن،

واليوم، أراها تقف وحيدة أمام قطعة خشب صامتة تحفر عليها اسمه وصورته، 

تروي تفاصيل السند الذي غاب، 

متسلحة بيقين مطلق بأن الله اختار له دارا أفضل، 

وبأن اللقاء في جنات الخلد قادم لا محالة،

ومن خلف كواليس مهنتها كباحثة عن الحقيقة، 

تخرج نادين لتكون شاهد عيان على قضيتها الأقسى، معركة صامتة تتساقط فيها وجوه الأقارب كأوراق الخريف باعتبار الموقف، 

بينما يبرز النبلاء كالمعدن الأصيل والذهب الخالص الذين تمسكوا بها كمن يحرس شمعة في مهب الريح، لتمنح الراحلين غيابا دائما لا رجعة فيه،

و من ثم تنتقل الرحلة إلى بياض جدران المستشفيات و رائحة الدواء الخانقة، حيث تخوض المضخة الصغيرة القلب،

معارك ضارية بين الحلم والموت،

هنا تتعلم نادين الاستسلام النبيل، 

هدنة إجبارية مع الضعف البشري، 

وتؤكد أن قسوة المحيطين و اتهاماتهم الجاهزة بأن الطيبة سذاجة إنما تعكس عجزهم، 

فبقاء الروح نقية هو خيار أخلاقي شجاع لا تدنسه أحكام العابرين.


وفي أروقة النفس، يدور حوار مرير بين عقل يرفع مطرقة القسوة يلوم بساطة القلب، و قلب ينزف طهارته و يؤكد أن الثقة هي جواز سفره نحو الحياة و جبلته التي لا يتخلى عنها، 

وتتوج هذه السيرة المعتمة و النورانية في آنٍ واحد بالتفاتة أبدية في أفق المدن الضيق، نظرة عين خاطفة تكسر رتابة العالم و تحول تقاطعا عابرا إلى جذوة خلود لا تمحوها يد الغياب،

في هذا الفصل العميق من سيرة الوجع والارتقاء، تفتح الكاتبة نادين آل دعجة نوافذ الروح على مصراعيها، لترسم لوحة متكاملة من الألم، والصمود، والتحرر عبر محطات فارقة،

في لحظات الوعكة الصحية المباغتة، وحين يعزف القلب إيقاعا مضطربا على حافة الاختناق، لا يداهمها الذعر، بل يغمرها دفء مفاجئ،

كأن روح والدها تمتد عبر الغياب لتمسح وجعها،لتتحول الأزمة البيولوجية إلى نداء روحي خالص يعيدها إلى الحنين الأول،

و في ذكرى ميلادها التاسع عشر من أيار، تقف على عتبة عامها الجديد بلا احتفال،

فمنذ رحل الأب، أقسمت ألا تشعل الشموع مجددا، لتظل رواية أبيها المكتملة التي بتر الموت خاتمتها السعيدة، يصارع جسدها الوجع و قلبها حنين اليتم الأبدي،


و من روايتها

أنها ترفض بملء الصوت اتهامات المجتمع الجائرة التي تعتبر الطيبة المطلقة والنقاء ضعفا أو اعتلالا، مؤكدة أن المرض الحقيقي مستوطن في النفوس الجافة، وأن ضميرها ومؤشراتها الأخلاقية ظلت سليمة رغم كل طعنات الخذلان،

لتخلع عباءة المداراة والصمت لتعلن قطيعة نهائية مع أصحاب المصالح والأقنعة المتساقطة، متسلحة بالعلم، و مسيرة الدكتوراه، و شغف الصحافة، حيث تقف اليوم بكبرياء ممتلئة باليقين، لتثبت أن الضربة التي لا تميت القلب تزيد من قوة نبضاته،

و أن قصتها ما هي إلا رواية شامخة لا تقبل بطلا مزيفا،

و في هذه المحطات الختامية العميقة، تغوص الكاتبة نادين  في أعماق النفس البشرية، متأرجحة بين قسوة الخذلان، وصراع العقل والقلب، وعزاء اليقين بوجود الله واستنادها الدائم لروح والدها الراحل،

حيث كتبت:

في لحظات الذروة الشعورية، يعجز الحرف التقليدي عن التعبير، فيتحول القلم إلى عصب حي ينبض بوجعها، يصبح الحبر دمعا يغسل الجراح، و يتحول الورق إلى حضن بارد يمتص نزيف الروح الصامت، وكأن القلم يهمس لها:

لا تتعبي صوتك، أنا أبكي عنك اليوم،

و بين صراع عقلها و قلبها كتبت:

العقل: يرفض التسامح مع من استغلوا طيبتها وافتروا عليها في أضعف حالاتها الصحية، مطالبا بالقصاص ورفض جلد الذات،

القلب: منهك لا يملك طاقة للخصومة أو عتاب العابرين، فيختار الانسحاب والصمت، مسلما أمره لله،

اكتفيت يا رب، فاجعل عدلك حصني وكرمك شفائي،

لتدرك أن براءتها تكمن في حماية ما تبقى من أنفاسها بعيدا عن كدر الظنون،


و من ثم تسلط الضوء على النفوس المظلمة التي تتغذى على الحقد والغيرة وتترقب سقوط الآخرين متوهمة أن عظمتها تنبع من تحطيم سواها، في المقابل، تبرز الأرواح النقية التي لا تقتطف السعادة من حدائق الغير بل تزرع الحب والنور في أرضها الخاصة بصمت،

وتختتم هذه الخواطر بالجرح الأعمق والأزلي، رحيل الأب،

منذ غيابه واختلال توازن قلبها، تقف نادين لتواجه قسوة الدنيا وحدها، 

محرومة من تلك اليد الحانية التي طالما مدت لها طمأنينة العالم بأسره،


فكتبت:

رحل أبي

فاختل توازن قلبي،

منذ غيابه وأنا أتعلم كيف أواجه الدنيا،

بلا يده التي كانت تطمئنني..

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology