رحلة إلى مركز الروح: البحث عن «أنا» الحقيقية تحت ركام التوقعات



عزمي صالح الدعجري 

ثمة لحظة في حياة الإنسان يشعر فيها بأنه غريب عن نفسه، كأنه أمضى عمره يسير في طرق اختارها الآخرون، حتى نسي الطريق الذي كان يريد أن يسلكه. يستيقظ كل صباح، يؤدي أدواره بإتقان، يبتسم حين يُنتظر منه أن يبتسم، ويصمت حين يكون الكلام مكلفًا، ثم يعود إلى وحدته مثقلًا بسؤال لا يجرؤ على طرحه: هل هذه حياتي التي أردتها، أم الحياة التي أُتقنتُ العيش فيها لإرضاء الآخرين؟

منذ خطواتنا الأولى، تبدأ الأيدي الخفية في تشكيل ملامحنا. يرسم الأهل صورة الابن الذي يتمنونه، ويضع المجتمع مقاييسه للنجاح، ويطالبنا المحيطون بنا بأن نكون نسخةً تتوافق مع تصوراتهم عن الإنسان المثالي. نتعلم مبكرًا كيف نحصل على القبول، وكيف نتجنب اللوم، وكيف نخفي ما لا ينسجم مع الصورة التي رُسمت لنا. ومع مرور الوقت، تتحول هذه المطالب إلى أصوات تسكن داخلنا، فلا نعود بحاجة إلى من يراقبنا؛ إذ نتولى نحن مراقبة أنفسنا، ونحاسبها كلما مالت إلى رغبة لا ترضي أحدًا سوانا.

وهكذا يتراكم الغبار فوق ملامحنا الأصلية، طبقةً بعد أخرى، حتى يصبح من الصعب التمييز بين ما نريده حقًا وما اعتدنا الاعتقاد بأن علينا أن نريده. نختار تخصصًا لأن العائلة تراه وجيهًا، ونقبل علاقة لا تشبه قلوبنا خوفًا من خيبة الآخرين، ونؤجل أحلامنا لأن توقيتها لا يناسب حساباتهم. وقد نمضي سنوات ندافع عن اختيارات لم نصنعها، لا لأننا مقتنعون بها، بل لأن الاعتراف بحقيقتها يعني مواجهة سؤال أشد قسوة: أين كنتُ حين تنازلت عن نفسي؟

ليست المشكلة في أن نراعي الآخرين أو نصغي إلى نصائحهم؛ فالإنسان لا ينضج في عزلة، ولا تستقيم حياته دون علاقات يتبادل فيها المحبة والمسؤولية. إنما تبدأ المأساة حين يصبح رضا الناس شرطًا لرضانا عن أنفسنا، وحين نقيس قيمة قراراتنا بمقدار التصفيق الذي تحصده، لا بمدى انسجامها مع قناعاتنا. عندها تتحول المحبة إلى امتحان دائم، ويغدو القبول مكافأةً مشروطة، ونعيش في قلق مستمر خشية أن نفقد مكانتنا إذا ظهرنا على حقيقتنا.

لكن الروح، مهما أُثقلت، لا تتوقف عن إرسال إشاراتها. تظهر في ضيق لا نجد له تفسيرًا، وفي نفور من حياة تبدو مثالية في أعين الآخرين، وفي حنين غامض إلى شيء لا نستطيع تسميته. ربما نشعر بذلك ونحن نضحك في مجلس لا يشبهنا، أو ننجز عملًا طالما تمنيناه ثم نكتشف أن فرحنا به أقل مما توقعنا. تلك اللحظات ليست دائمًا دليلًا على الجحود أو الفشل؛ فقد تكون نداءً داخليًا يدعونا إلى مراجعة الطريق، وإلى الإصغاء للصوت الذي طالما أخفيناه تحت ضجيج الواجبات والتوقعات.

تبدأ الرحلة الحقيقية حين نمتلك شجاعة التوقف. لا لنلوم أنفسنا على السنوات الماضية، بل لنفهمها، ولا لننكر فضل من أحبونا وأرشدونا، بل لنفصل بين محبتهم لنا ورغبتهم في أن نكون كما يتصورون. نحتاج إلى أن نسأل أنفسنا بصدق: ما الذي يمنحني المعنى؟ ما الذي أفعله بدافع الرغبة، وما الذي أفعله خوفًا من الرفض؟ وأي القرارات سأختار لو لم أكن مضطرًا إلى تبريرها أمام أحد؟

هذه الأسئلة لا تمنح إجابات فورية، لكنها تفتح نوافذ في الجدران التي بنيناها حول أرواحنا. وقد تكون الإجابات مؤلمة؛ لأن اكتشاف الذات يعني أحيانًا الاعتراف بأن بعض الطرق التي قطعناها لم تكن لنا، وأن بعض العلاقات استمرت على حساب راحتنا، وأننا خسرنا أجزاءً من أعمارنا في محاولات مستمرة لإثبات أننا نستحق القبول. ومع ذلك، فإن الألم الذي يقودنا إلى الحقيقة أرحم من راحة زائفة تُبقينا أسرى حياة لا تشبهنا.

ولا تعني العودة إلى الذات أن نتمرد على الجميع، أو نكسر كل رابطة، أو نتعامل مع رغباتنا بوصفها حقائق لا تقبل النقاش. إنما تعني أن نتعلم التوازن بين حقوق الآخرين وحقنا في الاختيار، وبين الوفاء لمن نحب والوفاء لما نؤمن به. أن نقول «لا» حين يكون القبول خيانةً لقناعاتنا، وأن نقول «نعم» حين تنبع الموافقة من رغبة صادقة، لا من خوف متوارث. وأن نتقبل حقيقة بسيطة: لن نستطيع إرضاء الجميع، مهما بالغنا في التنازل، ولن نكون أوفياء لأنفسنا إذا جعلنا أحكام الآخرين بوصلةً لكل خطوة.

وفي نهاية الرحلة، قد لا نعثر على إنسان جديد بقدر ما نستعيد الإنسان الذي تركناه خلفنا طويلًا. نكتشف أن ذواتنا لم تكن ضائعة تمامًا، بل كانت تنتظر منا لحظة صدق نزيح فيها الركام المتراكم فوقها. نعود إلى أحلام صغيرة أهملناها، وإلى رغبات كتمناها، وإلى قناعات خفنا إعلانها. ونتعلم أن السلام الداخلي لا يأتي من خلو الحياة من الاعتراضات، بل من قدرتنا على مواجهة الاعتراض دون أن نتخلى عن حقيقتنا.

إن مركز الروح ليس مكانًا بعيدًا نحتاج إلى السفر عبر العالم للوصول إليه؛ إنه تلك المساحة العميقة فينا التي لا يملك أحد حق مصادرتها. وحين نصل إليها، نفهم أن أعظم انتصار ليس أن نصبح الصورة التي ينتظرها العالم منا، بل أن نمتلك الشجاعة لنعيش بصدق، وأن نتحمل مسؤولية اختياراتنا، وأن نتصالح مع الإنسان الذي نراه في المرآة حين يغيب الجميع.

فربما لا تكون الرحلة الأصعب هي الوصول إلى ما نريد، بل اكتشاف ما نريده حقًا، بعد أن أمضينا عمرًا طويلًا نريد ما أراده الآخرون لنا.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology