مهندسة شهد القاضي
يقولون إن الفرصة تأتي خجولة، مترددة، تقف على العتبة تنتظر من يفتح لها الباب قبل أن تهرب بعيدًا إلى بيتٍ آخر، إلى قلبٍ آخر يعرف كيف يحسن ضيافتها.. وما أدقّ هذا القول حين تدرك أن الحياة لا تجود عليك بنفس اليد مرتين، ولا تمنحك نفس النعمة مرتين، ولا تبتسم لك بذات البراءة إن تجاهلتها مرة.
الفرصة الأولى تشبه قارب نجاة وسط بحرٍ هائج، من تمسّك به كُتب له الوصول، ومن تردّد ظلّ يتأرجح حتى تبتلعه الأمواج.. أمّا الفرصة الثانية فهي في حقيقتها درس قاسٍ، صفعة توقظ النائمين، توقظك أنت تحديدًا حين تتوهّم أن الأبواب تُفتح بلا عدد، وأن الوقت كريمٌ إلى الأبد.
في المرة الأولى تطرق الحياة بابك برفق، كأمٍّ تحتضن طفلها، تدعوك للنجاة من غرقك الصغير، من كسلك، من خوفك، من تردّدك.. في المرة الثانية، تطرق الباب بقبضة من حديد، تجبرك على النهوض مكسورًا، موقنًا أنك أضعت ما لا يُعوّض، وأنك لن تجد ذات اليد ممدودة مرة أخرى.
ما أكثر الذين قالوا: «سأفعل غدًا»، وما أقل الذين عرفوا كيف يسرقون لحظتهم من بين أسنان الزمن.. وما بين الذين فعلوا والذين انتظروا، هناك قصة يكتبها الندم كل ليلةٍ في صدور الكسالى.
الحياة لا تهزمنا دائمًا بقدر ما نهزم أنفسنا حين لا نؤمن أن الفرص نادرة كالمعجزات.. وحين نفهم ذلك، ندرك أن من ضيّع فرصته الأولى، عليه أن يقف وحيدًا ليتحمّل قسوة الصفعة الثانية، وليفهم أن الأبواب المشرعة لا تنتظر أحدًا طويلاً، وأننا حين نغلقها بيدنا، فإننا نغلق معها جزءًا من أحلامنا، جزءًا منّا.
لا تنتظر الصفعة كي تفيق، خُذ الفرصة حين تأتيك عارية من الضمانات، محتشدة بالاحتمالات، فالفرص التي تشبه المعجزات لا تتكرر... وإن عادت، فلن تعود بنفس الملامح، بل بيدٍ غليظة توقظك من وهم التأجيل وتخبرك أن الدرس هنا أغلى من الأمنيات التي تركتها على الرفوف العالية.