د. عدنان عويّد
الاغتراب لغة:
جاء في معجم الغني:
[غ ر ب]. (مصدره. اِغْتَرَبَ) ويُمْكِنُ أنْ يُفَسِّرَ اغْتِرَابُ الشخص: هِجْرَتَهُ البَعِيدَةَ. "قَضَى جُلَّ حَيَاتِهِ فِي اغْتِرَابٍ" وهناك اِغْتِرَابُ النَّفْسِ: أي شُعُورُهَا بِالضَّيَاعِ وَالاسْتِلابِ.
إن الاغتراب في صوره وأشكاله المختلفة ليس إلا نتاجا لعجز الإنسان أمام قوى الطبيعة وقوى المجتمع في تحقيق ذاته، كما يأتي نتيجة طبيعيّة جهل الإنسان بالقوانين التي تُسَيْرُ هذه القوى. ويعد الاغتراب ظاهرة إنسانيّة متعددة الأبعاد؛ ومن الصعوبة بمكان تحديد معناه في الاصطلاح تحديداً دقيقاً، نظرا لاختلاف استعماله في البحوث الاجتماعيّة والدينيّة والدراسات الفلسفيّة ومجالات النشاطات الثقافيّة والأدبيّة وغيرها، وبالتالي يمكننا تحديد أهم أشكال الاغتراب هنا وهي:
الغربة الجغرافيّة: أي هِجْرَة الإنسان البَعِيدَةَ عن بلده أو وطنه.
الغربة النفسِّة: شُعُورُ الإنسان بِالضَّيَاعِ وَالاسْتِلابِ والتشيء.
الغربة الذهنيّة: مرض نفسيّ يحول دون سلوك المريض اتباع سلوكً سويًّ وكأنّه غريب عن مجتمعه، ولذا يلجأ إلى العزلة عن المجتمع.
الغربة الاجتماعيّة: أو الاغتراب الاجتماعي: كثيراً ما يصاب الإنسان بالإحباط من مجتمعه الذي يعيش فيه، وربما كان السبب وراء هذا الإحباط طبيعة مخزون اللاوعي الذي استقر في نفس هذا الإنسان، ومن ثم وجد أن هذا المخزون لا يتوافق مع طبيعة المجتمع الذي يعيش فيه.
الاغتراب الديني: الاغتراب الديني: وهذا النوع واحد من أبرز أنواع الاغتراب التي يعيشها الإنسان على وجه العموم، وذلك حين يحس أن المحيط الذي يعيش فيه لا يلبي رغباته الدينيّة ومثل وقيم هذا الدين، ولا يقف إلى جانبه من أجل صياغة حياته الدينيّة التي يريدها، ومن هنا فإنه يشعر بعناصر الاغتراب الديني, والتصوف أنموذجاً.
ومن التعسف توصيف كل غربة على حدة ، أما تسمية الغربة بالاجتماعيّة، أو بالسياسيّة، أو بالعاطفيّة أو الدينيّة أو غيرها, فذلك راجع إلى دواعي الغربة نفسها التي أمدتها بعناصر النمو.
إذاً يمكن استخلاص مفهوم عام للاغتراب يدور حول عناصر متقاربة كشعور الفرد بالعزلة والانفصال عن الذات، والانطواء على النفس، وعدم القدرة على مسايرة الآخرين، والإخفاق في التكيّف مع الأوضاع السائدة في المجتمع، وعدم الشعور بالانتماء لأي مرجعيّة من مرجعيات الانتماء من الأسرة إلى الوطن. هذا وأن أزمة الإنسان المعاصر ومعاناته من حروب وجوع وفقر وألم وتشرد, التي رافقت تلك التحولات العميقة في البنى الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة, يرافقها التقدم التکنولوجي المادي بكل صور تقدمه ومنها الثورة المعلوماتيّة واستخداماتها السلبيّة, فكل ذلك ساهم في تراجع القيم الإنسانيّة النبيلة من جهة, وإفقاد إنسان العصر الشعور بالأمن والأمان من جهة ثانيّة, وبالتالي راحت تجرفه الغربة وضعف الانتماء في عالم مليء بالصراعات والمشاحنات والمشكلات النفسيّة والاجتماعيّة معلنة عن تفشي المفاهيم السلبيّة والتي من أبرزها مفهوم الاغتراب موضوع بحثنا.
مع تأكيدنا بأن ظاهرة الاغتراب قديمة قدم الإنسان، فهي ليست ظاهرة عصريّة أو معاصرة, إذ يمكن للباحث أن يتتبعها في كل العصور، وفي مختلف المجتمعات؛ فكلما توافرت العوامل والأسباب المهيئة للشعور الإنساني وإحساسه بالاغتراب نفسيّاً واجتماعيّاً ووجوديّاً، ازدادت حدّته ومجال انتشاره.
لقد وجد الاغتراب تعبيره الأول في الفكر الغربي, وذلك في تصور العهد القديم للوثنيّة, كما يمكن أن نجد جذور فكرة الاغتراب في كتابات الفيلسوف اليوناني "أفلوطين", وفي المذهب المسيحي حول فكرة الخطيئة الأصليّة وفكرة الخلاص، كذلك عند القديس "أوغسطين" و"مارتن لوثر". والاغتراب في هذه المواقف يعني الجهاد لفصل الذات الإنسانيّة عن نواقصها بجعلها في حالة تواصل مع كائن متعال هو (الإله). هذا وقد تناول مفهوم الاغتراب فلسفيّاً كل من (هيجل وماركس وأميل دوركهايم وهربرت ماركوز) وغيرهم من فلاسفة, بعد قبام الثورة الصناعيّة وظهور الطبقة البرجوازيّة وسيطرتها على الدولة والمجتمع.(1).
وإذا انعطفنا نحو الأدب العربي بشكل عام والشعر منه بشكل خاص, سنجد أن انعكاس الاغتراب على الشعراء بات طرديّاً مع تعقيدات الحياة, فقد ظهر في نتاج العديد من شعراء المخضرمين فترة الانتقال من الجاهليّة إلى الإسلام, بسبب جملة من الأسباب الحيويّة والمنطقيّة التي ساهمت في انتشار حالة الاغتراب.
إن تلك الفترة الأولى للاغتراب تشكل فترة انتقاليّة كما بينا من الجاهليّة إلى الإسلام، ولا شك أن لهذه النقلة الدينيّة العقائديّة دوراً بالغ الأهميّة في التأثير على نفسيّة هؤلاء الشعراء، واتخاذ الدين الجديد سبيلاً للفرار من حالات الاغتراب التي يعيشونها، خاصة أن المعاني الجاهليّة لم يعد لها أي أثر في عقليات الكثير من الشعراء الذين اعتنقوا الإسلام.
أما الفترة الثانية فتمثل تلك النقلة الحضاريّة التي تلت ظهور الإسلام بعقدين أو ثلاثة من العصر الإسلامي, حيث انتقل العرب من كونهم تابعين إلى أقطاب الحضارة العالميّة آنذاك، إلى كونهم مؤسسين لحضارة عربيّة إسلاميّة تلت فتح فارس وبلاد الشام، حيث توسعت رقعة الدولة الإسلاميّة، واتسع معها دور المسلمين الحضاري في خارطة العالم القديم.
أما الفترة الثالثة فتتعلق بجوانب الجغرافيا الجديدة التي وصل إليها العرب, إذ انتقل كثير من الشعراء للعيش في المدن المفتوحة، وبهذا تغربوا عن ديارهم، وابتعدوا عن أوطانهم، الأمر الذي كان له الأثر البالغ في شعرهم ونفسياتهم.(2).
لابد لنا أن نشير هنا إلى أن قضية الاغتراب في الأدب بشكل عام والشعر بشكل خاص عبر تاريخ الأدب, قد مثلها الأدباء في نصوصهم الأدبيّة بكل أنواعها, بل هم الأكثر قدرة على تصوير حالات الاغتراب هذه.
أمثلة على حالات الاغتراب عند الشعراء العرب:
فهذا "عنترة بن شداد" يبين لنا عمق الغربة الاجتماعيّة لديه بسبب ما ولدته الحالات العنصريّة في مجتمعه
